أثر العقيدة في محاربة الإرهاب والانحراف الفكري

0

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده وخليله ورسوله، أرسله -جل وعلا- رحمة للعالمين، فبَلَّغَ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ترك تَرِكَةً عظيمة هي العلم بالله -جل وعلا- بمراد الله -سبحانه وتعالى-، شريعة سمحة لا آصار فيها ولا أغلال، لا ظلم فيها ولا عدوان، شريعة تدعو إلى الصلاح والإصلاح، وعمارة القلوب والأوطان بما يرضي الله -جل وعلا-، تركنا -صلى الله عليه وسلم- على محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، من أحسن السير عليها والتمسك بها، وأحل ما أحلته هذه الشريعة، وحرم ما حرمت، يبتغي بذلك وجه الله -جل وعلا- والدار الآخرة، أفلح وأنجح، وفاز ونجا.

الشريعة تأمر بالخير وتنهى عن الشر والفساد

هذه الشريعة الحنيفية السمحة جاءت بخيري الدنيا والآخرة، في عمارة الدنيا على أساس من العدل، والإحسان، والرفق، وتقوى الله -جل وعلا-، والآخرة بالاستعداد لها عملًا بقول المولى -جل وعلا-: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}[سورة الحشر : الآية 18]، فالمسلم يجب أن يكون حريصا على الخير، بعيدًا عن الشر، نافعا لنفسه ولإخوانه، مطيعا لربه -جل وعلا- ساعيا جادًّا في الخير إلى عباد الله، وكف الأذى عن عباد الله، أن يحقق الإيمان وأن يكون مصدر أمن وأمان لنفسه بصيانتها عن الظلم والعدوان والجور والطغيان، وبث آثار ذلك في مجتمعه الذي يعيش فيه ليكون قدوة صالحة مُذَكِّرًا بالخير، معينا على القيام به، محذرًا من الشر بعيدًا عنه، فإن الإيمان يحجز المؤمن عن إيذاء نفسه بارتكاب المعاصي التي أشنعها وأفظعها الشرك بالله -جل وعلا-، ثم يأتي بعد ذلك سفك الدماء، وخراب الديار، وإشاعة الفوضى، والسعي في الأرض فسادًا.

الإيمان يحجز المؤمن عن هذه المصائب، لأن المؤمن كلما تحقق إيمانه كلما كفه إيمانه عن ارتكاب الفساد والشر، من شأن المؤمن أن يسعى لنفع الآخرين، وأن يكف أذاه عن نفسه، ويكف نفسه عن استعمالها في المعاصي، وأن يكف أذاه عن عباد الله ولهذا قال -النبي صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»(1).

المؤمن مأمور بالعدل

من شأن المؤمن أن يسعى لعمارة قلبه بأن يكون قلبه خاليًا من الحقد والحسد، بعيدًا عن الشر والدعوة إليه، وإذا أشكل عليه أمر وضاق ذَرْعًا بخط من الخطوط التمس حَلُّه في كتاب الله -جل وعلا- وفي سنة ورسوله –صلى الله عليه وسلم-، فإن كَانَ أَهْلًا للبحث في ذلك بحث وإلا رجع إلى العارفين ليسألهم، كان الناس في خير عظيم، بل كان الناس في خُطَبِهِمْ في القديم يكررون في المساجد {إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى} [سورة النحل : الآية 90] إلى آخر الآية، ففي كل خطبة جمعة يذكر الخطيب الناس بمثل هذه الوصايا العظيمة العالية الهامة، وكانوا في خطب جمعهم يحذرون الأفراد والجماعات من الزيغ والضلال والظلم والعدوان.

تزكية النفس ومعاهدة الإيمان

ومن شأن المسلم أن ينمي إيمانه ويسعى لتزكية نفسه بالأعمال الصالحة، وينظر في علاقاته بربه -جل وعلا- هل يتقيد بأوامر الله -جل وعلا- فيما يأخذ ويدع؟ هل يتقيد بأوامر الله -جل وعلا- في تعامله مع الآخرين من الأصدقاء والأعداء؟ هل يكون عدلا فيما ينفقه وما يعطيه؟ فإذا وجد في نفسه خللا في علاقته بربه فلينظر إلى إيمانه، فإن إيمانه في خطر، كلما ضعف الإيمان كلما قوي سلطان النفس الأمارة بالسوء، أما إذا قوي الإيمان فإنه يقهر العبد عن ارتكاب المخاطر، لأنه إذا فكر في أي خلل يمكن أن يرتكبه نظر في عواقبه، هل عواقبه خير على نفسه وعلى من يعيش معهم؟ إن وجد ذلك وتحققه نظر، هل يترتب عليه مفاسد وشر؟

إن العاقل ينبغي أن يفكر في آثار أعماله عليه في الدنيا وفي الآخرة، لأن أعمالنا كلها لها آثارها على حياتنا في الدنيا وفي الأخرى، فإذا أصلح الإنسان ما بينه وبين ربه -جل وعلا- بتقواه وصدق طاعته والإخلاص له في العبادة، وأحب للناس ما يحب لنفسه وسار على ذلك أفلح وأنجح. فإن الإنسان لا يؤمن حتى يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، المؤمن أخو المؤمن، والمسلم أخو المسلم.

إن النفس تتعرض لموجات هوى وأعاصير فتن في كل وقت، وفي زمننا هذا الذي تنوعت المغريات وكثرت الدعايات والضلالات وأُلْبِسَ على الناس كثير من أمور دينهم، وتكلم في دين الله من لا يتقن ولا يحسن الدخول في المشاكل والخروج منها، فيزيغ كثير من الناس من حبه للخير وجهله في سلوك طريقه.

فالإيمان هو الذي يعصم الإنسان بإذن الله -جل وعلا- من سلوك سُبل الشر، الإيمان هو أن يسلك الإنسان الطريق السَوِيَّ المؤدي إلى مرضات الله -جل وعلا- الذي من سار عليه نجا كما في قول الله -جل وعلا- في محكم التنزيل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } [سورة الأنعام : الآية 153].

انتشار الانحراف الفكري وأسبابه

إن ما حصل في المجتمعات الإسلامية في هذا القرن وبقية القرن السابق من بعد عام الثمانين والثلاثمائة والألف، هذه الفترة التي تقرب من نصف قرن، حصل في بلاد العالم الإسلامي صنوف من المشاكل والمحن وأنواع من التعديات والعدوان وشرور متنوعة، وكلما مضى عقد من الزمن تطورت المشاكل وتنوعت المصائب، وتَقَوَّل على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- من ليس أهلا بأن يقول، وتحصل آراء تحرض على الفساد وتعين على الإفساد في الأرض، ثم تطورت الأحوال إلى اغترار كثير وشاع بين الناس التخريب والخراب والتخويف والإرهاب، وتعددت البواعث، ما كان الناس في السابق يأتي الواحد في المنزل ويكفر أهل بيته أو يكفر أهل بلده.

لم نكن نعرف هذه الأمور ، فدخلت علينا شبه وضلالات إما بأفكار أناس حاقدين على أنفسهم وحاقدين على غيرهم، أو باغترار آخرين أحسنوا الظن بمن لا يحصل إحسان الظن فيه، والمسلم والمؤمن وأَخُصُّ طلابَ العلم عليهم أن يتقيدوا بما كان يتقيد به أهل العلم سابقا، ما كان الواحد منهم يتجرأ أن يقول في دين الله وشرعه إلا بعد ما يكون أهلا لذلك، ولذا كان الناس في كثير من الأحوال في مأمن من المخاطر ومنجاة من الفساد والخراب والإرهاب، ما كان الناس يخشون أن يعتدى عليهم في طرقاتهم في حال أمن، إن الإيمان بالله -جل وعلا- يحجز الإنسان عن إيذاء الآخرين، وإذا فكر في أمر الإيذاء تذكر العَرْضَ على الله -جل وعلا- {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [سورة الإسراء : الآية 36].

فالواجب على كل مسلم أن يخاف الله -جل وعلا-، وأن يتقي ربه -سبحانه وتعالى- إذا خلا في نفسه يفكر كيف يرعى أهل بيته، وأوجه التقصير في رعايتهم، ينظر في أحوال ذريته بمن يختلطون، ومع من يرحلون ويتنقلون، سواء في نوع العبادة كالسفر لحج أو عمرة، أو لنزهة، يتفقد من يصحبهم ومن يصحبونه، وماذا يدور بينهم؟ وهل يفكرون في أمور من خصائص غيرهم؟ لأن الشباب ربما فكروا أنهم صاروا كبارًا وعلماء وأهل حل وعقد، لا سيما إذا يسر لهم من يُغْرِيهم ويرضيهم، كما قد حصل في كثير من المشاكل في كثير من البلاد الإسلامية.

الإنسان ينبغي أن يتعامل مع نفسه بتقوى الله -جل وعلا- ويُلِحَّ على ربه -جل وعلا- أن يهديه سواء السبيل، فإنه لا مَهْدِيَّ إلا من هاده الله كما في حديث أبي ذر -رضي الله عنه- الذي يرويه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه في قوله -جل وعلا- : «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»(2)، فالإنسان لا يَهْدِي نفسه بل يسأل ربه الهداية، ثم يسعى في ذريته أن يُرَبِّيَهُم على ألا يكونوا جريئين على كثير على الأمور إلا بعد أن يَعْرضوا أمورهم على من يحسن أن تُعرض أمورهم عليه، على والديهم، وعلى معلميهم، وعلى من يحسن إيراد الأمر وإصداره.

إن المصائب التي جاءت في كثير من البلاد الإسلامية وجاء بلادنا منها شيء لا يَخْفَى من تضليل بدون حق، وتكفير بدون دليل، ونشر للفساد والخراب، والدمار وسفك للدماء، كل ذلك إنما جاء نتيجة طيش، وضعف إيمان، أو قلة بصيرة، ولو اهتدى الناس ورجعوا إلى ربهم -جل وعلا-، وحققوا إيمانهم لوجدوا أن الله يهديهم بإيمانهم سواء السبيل.

علاج الفساد والإرهاب

إن المصائب التي تقع في كثير من العالم سببها المعاصي كما يقول الله -جل وعلا-: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [سورة الروم : الآية 41]، لكن تحتاج إلى علاج، يعالج الأب والأم من في بيتهم، والمعلم والأستاذ طلابه، والجار والإمام جيرانه وجماعة مسجده، يتعاون الجميع على ما من شأنه إصلاح الناس وصلاح البلاد والعباد.

إن الإرهاب هو مصدر شر وبلاء وخراب ما كان الناس يتحدثون عنه في السابق، وإنما يعرفون ما ينبغي أن يكون حال المؤمن أن يكون قويا بالله، مستعينا به -جل وعلا- وما ذكر الله -جل وعلا- في قرآنه من إرهاب المسلمين لأعداء الإسلام، أما أن يكون الإرهاب للناس في بيوتهم وفي بلادهم الإسلامية، وفي بلاد العقيدة الصافية ، يضلل إليه من ضعفت بصائرهم فهذا بعيد عن حقائق الإيمان، لأن المؤمن حقا هو الذي يحجزه إيمانه عن ارتكاب المحرمات، وتصده بصيرته عن إنزال الأذى بنفسه أو بغيره.

إن أفحش الأذى وأشنعه الشرك بالله -جل وعلا- ثم يأتي بعد ذلك قتل الأنفس البريئة، وإفساد الحرث والنسل والأموال، وكل ذلك لا يصدر عن صاحب دين صحيح، ولا عن إيمان نقي، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ»(3) فالذي يفتك بغير حق، ويتجرأ بدون هَدْى إنما يُقْدِمُ بسبب غلبة الفساد على نفسه، وضعف البصيرة عنده، وإحسانه الظن الذي ما كان ينبغي أن يكون لمن يختلط بهم ويجتمع ويصحبهم ويصاحبونه، ولهذا حذر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- من جليس السوء كما في الحديث الصحيح :«إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ»(4).

من أسباب انتشار ظاهرة الإرهاب في بلاد المسلمين: غياب المسؤولية عن أفراد المجتمع، فكل فرد في المجتمع مسؤول، فالأب راعٍ في بيته ومسؤول، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن أولادها، إن العبد يَحْكُم يُسأل عما له من سلطان وسلطة فيرعى ذريته إذا استطاع أن يُقَوِّمَهم قَوَّمَهُمْ، وإن عجز أسند أمر تَقْويمهم إلى السلطة، لو تعاون الناس في كل مكان على البر والتقوى، وتناهَوْا عن الإثم والعدوان لما تجرأ هؤلاء على إشاعة الفساد، ولما وجدنا من يحمد أو يمجد من يقوم بالفساد.

مصلحة المسلم في استقامته على دين الله

إن المسلم لا بد أن يفكر في مصلحته وهي أن يستقيم على دين الله، وأن يفكر في مصلحة المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يتجنب ما يعكر صفو نفسه وصفو الآخرين، يكف أذاه عنهم، ويسعى لصلاحهم، وإذا علم شرًا أو سوءًا بأحد من رعيته التي في بيته أو ممن يعرفهم، ومن يستطيع أن يقومهم أبْلَغَ من له القدرة على التقويم، دفعًا لشرهم، إصلاحا لهم، قطعًا لدابر الفساد ما أمكن، ومن عجز عن إصلاح ذريته أبلغ السلطة، لا لعداوة منه لذريته، وإنما رحمة بذريته، فإن العقوبات الشرعية كلها هي رحمة للأمة، ما شرع الله -جل وعلا- عقوبة بقصد الإيذاء، وإنما بقصد الإصلاح والصلاح، ولهذا إذا قسى الأب أو الأم، أو القريب، أو المسئول في أي قطاع على من يسعى في الأرض فسادًا فليس لعداوته لذلك المفسد، وإنما رحمة به، ورحمة بالمجتمع الذي يعيش فيه لإصلاحه، وإبعاد الفساد عن المجتمع.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب الإصلاح

لو تعاون الناس بهذه الصفة لقلت الشرور، وربما انقطع دابر الفساد، لكن تجد كثيرًا من الناس يحب أن يدافع  عمَّن يعرف عنهم الخلل في بيته، أو من قرابته، أو أصدقائه، أو يقول كما قال بعض الجهال: لست المسئول، للجهات المعنية عيونها واستخباراتها ورجالها، أنا مسئول عن نفسي. هذا خطأ كل واحد مسئول عن نفسه يكفها عن غيرها، ومسئول أيضا عن المجتمع الذي يعيش فيه أن يبعد عنه كل شر ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا تعذر عليه ذلك استعان بمن يقدر على تغيير المنكر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»(5)، ليس معنى الاستطاعة أن يقدر هو أن يزيل المنكر بل أن يأخذ بالوسائل، هؤلاء الذين من أبناء البلد ارتكبوا ما ارتكبوا في كثير من الأحوال، ربما لو كانت العناية حاصلة من ذويهم إذا رأوا منهم جُنوحا إلى الشر أو تحدث فيما لا يعنيه نصحوهم، فإذا لم ينتصحوا بلغوا من ينصحهم، إذا كان يقدر على نصحهم، وإذا كانوا لا ينتصحون منعهم، كف أذاهم رحمة بهم وبأمتهم.

إن تعظيم الإيمان في القلوب، والعناية به، وتقويته بالطاعات، والتقرب إلى الله والنظر في أسباب المعاصي وآثارها والنظر في آثار التقرب إلى الله بصالح الأعمال يكون سببا في الصلاح والإصلاح فـ «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»(6) كما في الحديث الصحيح.

فليحرص المسلم في كل وقت أن يتهم نفسه بالتقصير، وأن ينظر  في أحوال من يعيشون معه لا سيما، وأن من يتابع ما يبث على عجلة البث من قنوات فضائية وصحافة داخلية أو أجنبية، مما يكون سببا في ارتكاب كثير من السيئات.

إن مما يقوي الإيمان حقا العناية بالعبادات، والإكثار من التضرع إلى الله -جل وعلا-، وصلاة الليل، وأن يكثر الإنسان من اللهج والدعاء، وسؤال الله -جل وعلا- أن يهدي قلبه ويصلح حاله ويمنحه البصيرة في دينه، ويوصي أهل بيته بذلك، ويوصيهم أيضا بالدعاء.

إن الأمة الإسلامية الآن في أمس الحاجة إلى النصر والتأييد، وليس كل أحد ولا دولة بالقدرة على أن تدفع عن المسلمين كل شر، لكن يوجه الطلب إلى القادر على كل شيء -جل وعلا- الذي لا يُسْأل إلا هو – سبحانه وتعالى.

الأمة الإسلامية في محن ولكنها في هذه الأيام في محنة كبيرة، عدوان بلا حياء، وسكوت من القادرين على المنع بلا حياء، وهو نوع من التعاون على الإثم والعدوان، مع عجز متناهي في الأمة الإسلامية، لا من حيث العمل، فهي تعرف نفسها، ولا من حيث البذل للمحتاجين، لا شك أننا نسمع ونعلم أن بلادنا ولله الحمد في مقدمة أهل الإحسان تبذل وتبذل على مختلف مستوياتها، لكن الناس محتاجون إلى الالتجاء إلى الله -جل وعلا-، فينبغي للمسلم في صلاته منفردًا في جوف الليل أو في أي وقت إن توجه إلى الله -جل وعلا- أن يكشف الغمة التي عمت الأمة الإسلامية.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

الأسئلة

سماحة الشيخ يقول السائل: نرجو من سماحتكم التكرم بحث الناس بالدعاء لإخوانهم المسلمين المستضعفين في غزة، والإكثار من الدعاء، وما حكم قُنُوت أئمة المساجد في مثل هذه النازلة للمسلمين في غزة؟

الدعاء قد دعوت، ولا مانع من الزيادة، والقنوت ينبغي أن يحرص الناس على التقيد بما يصدر من ولاة الأمر، وليس من شرط الدعاء أن يكون جماعيا، فرب دعوة منفرد ملتجئ إلى الله -جل وعلا- مفكرًا في حاله وحال الأمة الإسلامية يستجيب الله -جل وعلا- له دعاءه، فالإنسان إذا دعا في حال انفراد لا يراه أحد ولا يعلم بدعائه سوى عَلَّام الغيوب، يكون لذلك الدعاء بدون شك أثر بَيِّنٌ، فنصيحتي لكل أحد إذا خلا في بيته، وصلى ما كتب الله له أن يصليَ أن يتوجه إلى الله -جل وعلا- أن يعاجل المظلومين المقهورين المعتدى عليهم في غزة وغيرها، بالتفريج العاجل، وقمع العدوان، والعدو الصائل عاجلا غير آجل، وأن يرينا فيمن وراءه، فإنه لولا ما علم من اختلاف الناس فيما بينهم ووقوفهم وراءه مدافعا عنه ما أقدم على ما أقدم عليه، فينبغي للمسلم في كل مكان ألا يحتقر نفسه في الدعاء يتوجه إلى الله، وأما الدعاء في المساجد فإن أذن ولي الأمر بالدعاء دعوا، وإلا فإن ولي الأمر لا يملك أن يمنع إنسانا أن يدعو فيما بينه وبين ربه -جل وعلا-.

سماحة الشيخ يقول السائل: هل الدعوة إلى التوحيد والعقيدة الصحيحة من أسباب تفرق المسلمين؟ وهل علينا السكوت حتى يجتمع المسلمون، وبعد ذلك ندعوهم إلى التوحيد؟.

لا تنس أن كلمة عقيدة ما كان الناس يسمونها عقيدة، بل كانوا يسمونها عقيدة في الصحابة، أو يسمونها الإيمان، ولذلك لما جاء جبريل -عليه السلام- وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- سأله عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن أخص خصائص الإيمان، وهو الإحسان.

المسلم ينبغي أن يعتقد هذه الأمور ولذلك ليس كل مسلم مؤمنًا، لكن كل مؤمن فهو مسلم، كما أنه ليس كل مؤمن محسنًا، ولذلك جبريل -عليه السلام- سأل عن الإحسان بعد الإيمان قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»(7)، فالإنسان حينما يدعو ربه منفردًا كأنما ينظر إلى ربه، وهو يتصور أن ربه يراه سيكون في دعائه أديبًا متأدبا موقنًا بأن الله القادر على إزالة كل كربة، وإذا لم يزلها فالسبب منا ليس من عند الله -جل وعلا- فالله -جل وعلا- لا يغير الكرب والمصائب إلا إذا غير الناس ما بأنفسهم فتابوا إليه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الرعد : الآية 11]، وإن الله -جل وعلا- لا يغير الأمن، والرخاء، والراحة، والاستقرار، ورغد العيش إلا إذا غير الناس الشكر، فبطشوا، واستطالوا بِنِعَمِ ربهم، وتجرأوا على الحرمات {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الأنفال : الآية 53]، فنسأل الله أن يوفقنا جميعا لشكر نعمه علينا، وأن يوفقنا للمحافظة عليها.

إنَّ أجل ما نعيشه في المملكة هو الأمن على هذه العقيدة، لا يسمح لأحد منا أن يرتكب معصية، بينما لا يحصل هذا في كثير من البلاد الإسلامية، بل يجبر على أن يرتكب معصية، لا يضايق إنسان لأنه يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة، بينما في كثير من البلاد الإسلامية يضيق على من يعمل ذلك العمل، نحن في نعمة عظيمة مع ما وراء ذلك من خير وعدل وأمن وكرامة، فنسأل الله -عز وجل- تثبيت ذلك بالالتجاء إلى الله بصدق.

سماحة الشيخ يقول السائل: داعية يظهر في القنوات الفضائية من الدعاة الإسلاميين يقول عن صلاة حذيفة -رضي الله عنه- خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن تطويل النبي -صلى الله عليه وسلم- وتلذذه بالصلاة: إنه كلذة المشجع في النوادي الرياضية، ويقول عن بلال -رضي الله عنه- أنه يشبه الليل والعباءة، ويقوم هذا الداعية بتقليد أصوات الفنانين، ويذكر أسماء الفنانات في المحاضرة، فهل هذه طريقة صحيحة في الدعوة إلى الله، وجزاكم الله خيرًا؟

الطريقة الصحيحة في الدعوة إلى الله -جل وعلا- أن يَتَّبِعَ وألا يَبْتَدِعَ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المخرج في الصحيح: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(8) هؤلاء الدعاة الذين انتشر النور بفضل الله، ثم بسبب دعوتهم هل كانوا يفعلون هذا الفعل؟ التلذذ بمناجاة الله -جل وعلا- بصدق لا شك أنه خير كبير، لكن تحوير وتحويل ما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن أذان بلال وغير ذلك بأنه يسير في هذا المنهج، هذا خطأ وتسمية هذا الشخص بأنه داعية إن كان داعية مطلق، فالأمر سهل لأن الإنسان قد يدعو إلى خير وهو يظن أنه يدعو إلى خير، ويكون داعية للشر، ينبغي للإنسان أن ينظر كيف كانت سيرة الدعاة إلى الله -جل وعلا-، أكمل الدعاة بدون شك الأنبياء والرسل، وأكملهم على الإطلاق محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأكمل أتباع الأنبياء أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم كل من كان أقرب في تبعيته، في اتباعه لأولئك الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-، كلما كان أقرب حقا كلما كان داعية صدق، وأما أن تسلك مسالك وتخترع طرق ويقال: هذه سبيل للدعوة لا حرج علينا. فهذا من تحميل الأمور ما لا تحتمل، فنسأل الله أن يهدي هذا الداعية بأن يسلك سبيل المتقين السابقين، وألا يلبس على الناس، متى كان الطرب واللهو وسيلة للدعوة؟ فالله المستعان.

يقول السائل: سماحة الشيخ ما هي أسباب النصر التي بها تتمكن الأمة الإسلامية من النصر على أعداء الدين، وجزاكم الله خيرًا؟

هذا أمر سهل، وإنما يحتاج إلى صدق، الله -جل وعلا- يقول: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [سورة الحج : الآية 40] ويقول سبحانه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [سورة محمد : الآية 7]، فنصر العبد لربه -جل وعلا- أن يخافه، ويتقيه، ويتقيد بما جاء عنه -جل وعلا- وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يخلص في ذلك، وأن يحصل اجتماع على هذا الأمر، ليس الانتصار بالسلاح فقط، لا شك أن السلاح مهم والله -عز وجل- قال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ} [سورة الأنفال : الآية 60] إلى آخره، لكن في واقع الناس الآن تعتبر اليابان من أقوى دول العالم، تعتبر ألمانيا من أقوى دول العالم وهما محظور عليهما أن تكونا دولة متسلحة تسليحا حربيا، لكنها انتصرت باقتصادها وهي كافرة، لو وفق المسلمون لتجارة إسلامية نقية من سائر المحرمات لهيمنوا على العالم في تجارتهم، كثير من البلاد الإسلامية لم تفتح بحرب في الشرق الأقصى، والإسلام الذي انتشر في أقصى الغرب لم ينتشر بحرب، وإنما انتشر بأخلاق الناس وصدقهم.

إن اجتمع للمسلمين قوة اقتصادية نقية، لا ريب فيها، ولا غش، ولا خداع، وإنما تتقيد بمنهج الله -جل وعلا- ومنهج الدين، لكان لها أثرها البالغ ، الجهاد ليس تخريبَ الأوطان وتدميرها، بل إن القتال في الإسلام لا يؤذن لهم بالخراب والإفساد إذا قاتلوا من يقف في طريقهم ويصدهم عن دعوة ربهم، فنسأل الله -جل وعلا- أن يحقق للأمة الإسلامية انتصارًا حقا على جهلها وعلى أعدائها، إنه مجيب الدعاء.

يقول السائل: سماحة الشيخ حججت قبل عشرة أعوام حج تمتع، ولم أسع سعي الحج فماذا علي الآن؟

أقول: -وإن كان- لا يصح أن سعي العمرة يجزئ عن سعي الحج، لكني لا أقول به، لعله ذبح ذبيحة لفقراء مكة، لأنه لا بد أنه حج بعد ذلك أكثر من حجة.

يقول السائل: سماحة الشيخ بمن تنصحنا أن نلازم في طلب العلم، ونثني الركب عنده من أهل العلم الثقات، عِلْمًا أن دعاة الضلال والانحراف قد كثروا في هذه الأيام؟

نصيحتي أن تسألوا عمَّن لديه وقت لاستقبالكم والجلوس معكم من أهل العلم، ولا يصح أن تأخذوا العلم عن كل من هبَّ ودبَّ، المراكز العلمية كالجامعات لا شك أنها مهمة إذا تيسرت، ثم اسألوا عن أهل العلم في بلادنا والحمد لله هم متوفرون، وفي البلدان الأخرى اسألوا عمَّن لا يدخلكم في أمور سياسية، فإن إدخال الناس في الأمور السياسية، لا سيما الشباب الذين يعشقون الطموح ويفكرون في المناصب ويغترون بالنقد اللاذع، من يُدَرِّسُ لهم ينبغي أن يجتنب أمثال هؤلاء، ويرجع إلى الذين جربوا السراء والضراء، ثم احرصوا على ألا تخرجوا عن جَادة العلم إلى قراءات متنوعة، فإن أكثر الناس يدعون الناس لمراجعتهم، فإذا وجدتم من يدعوكم لأن تسألوه اسألوا عنه قبل أن تأخذوا عنه، والله المستعان.

يقول السائل: سماحة الشيخ هل القيام بالمظاهرات، والمسيرات، من وسائل الدعوة والإصلاح، وإظهار الغيرة؟

لا، هذه من الفساد في الأرض، وليست من الإصلاح، ولا من الصلاح، إذا سارت هذه المظاهرات بدون أي عمل تخريبي صدت الناس عن ذكر الله، وربما اضطروا إلى أن يحصل تخريب ما قصدوه، متى كانت المظاهرات تجمعات؟ إن أول تجمعات بنوع من المظاهرات في الإسلام كانت مظهر فساد، وسبب شر وبلاء على الأمة الإسلامية، أول ما يصلح أن يسمى نوع تظاهرة ما حصل من الخروج على عثمان -رضي الله عنه- الخليفة الراشد الذي شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من أهل الجنة، فتلك مظاهرة، وتجمعات، ودعوة استنكار، ودائما استنكار الجمهور إنما هو استنكار غوغائي، ولهذا المتحدثون عن علم النفس يقولون: الجمهور لا عقل له. أي: أن المسألة مسألة فوضى، هذه المظاهرة التي توجد وربما يتعمد جهال في بعض البلاد يخربون ما يمرون عليه من المتاجر، هذا منهم عدوان، هذا في الحقيقة مما ينمي العدوان، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يقي بلادنا كل شر، وأن يقينا هذا الشر أيضا وبواعثه وأسبابه.

يقول السائل: أحد الأشخاص سماحة الشيخ يؤذيني باستمرار، وأنا أعفو عنه، كل مرة يقول: هل يجوز أن أهجره أو أقاطعه؟

إن كان من ذوي القربى فأكثر من الإحسان إليه، والرفق به، ونصحه، وتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي قال له: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَىَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَىَّ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلاَ يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»(9)، نصيحتي لك بقدر ما تستطيع أن تدفع السيئة بالتي هي أحسن.

يقول السائل: سماحة الشيخ هل يلزم لصلاة قيام الليل النوم قبلها؟

لا ما يلزم، النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصى أبا هريرة -رضي الله عنه- أن يوتر قبل أن ينام، لا شك أن الأفضل تأخير الوتر والتهجد إلى آخر الليل، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ»(10)، فمن قدر على ذلك وتمكن منه، أو تمكن بأن يكون آخر الليل ميدانًا لتهجده إلى طلوع الفجر فلا شك أن هذا هو الأفضل، إذا تيسر واستمرت الحال عليه ليصادف وقت منادة الله -جل وعلا- للعباد، فإن الله -جل وعلا- ينزل في الثلث الأخير من الليل وينادي عباده: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»(11)، ليتعرض الواحد لهذه النفحات العظيمة، وأعود عودًا على بدء فأوصي الذين يدعون ربهم لكشف هذه المحن التي وقعت على فلسطين العراق وأفغانستان وغيرها إذا صلوا آخر الليل أن يخصهم بشيء من الدعاء، مع عدم الغفلة عن أنفسنا وبلادنا.

يقول السائل: سماحة الشيخ ما العلاج من وجهة نظركم لمشاكل الأمة الإسلامية، وجزاكم الله خيرًا؟

العلاج يسير، الدواء متيسر، وإنما يحتاج إلى صدق في طلب العلاج، والدواء هو الرجوع إلى الله -جل وعلا- لا يُصْلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يصلح أولها إلا على الإيمان الصادق، وإخلاص العمل لله، وبالتعاون على البر والتقوى، والقيام بإجلال شرع الله -جل وعلا-، وتعظيم دينه بأن تحل ما أحل الله ورسوله، وتحرم ما حرم الله ورسوله، وتقيم الحدود، وتمنع من ارتكاب السيئات، وتُعَاقِب على ارتكابها، وتَصْدُق في ذلك، عندئذ سوف تتبدل الأحوال، ويتغير وجه الأرض، وتشرق المجتمعات بنور الصلاح والإصلاح، وما ذلك على الله بعزيز.

يقول السائل: عندما يحدث لقاء يعيب عليه البعض أنه ينصح الشباب بنصائح منهجية وعقدية، فهل فعله هذا خطأ أم صواب؟

أولا: لا يعاب ولا يمنع إنسان ويستنكر عليه أن ينصح أحدًا، إذا كان الناصح عارفا النصيحة وقائلا بها، حريصا على تأديتها، ينبغي للمسلم بقدر ما يستطيع أن ينصح، ولا يقول كما قال أولئك السابقون على هذه الأمة لما كانوا يستنكرون فقال قائل لهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [سورة الأعراف : الآية 164] فكان جوابهم أن: {قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [سورة الأعراف : الآية 164]، فالإنسان لا ييأس من منحرف أن يتأثر بالدعوة، لا ييأس من ضال أن يهتدي بالدعوة بإذن الله، يدعو لكن يكون رَفِيقًا في دعوته متجنبا ما يثير المشاعر ويحمل على الاعتزاز بالنفس، يظهر لمن يدعوهم أو ينصحهم إنما يفعل ذلك إشفاقا منه عليهم، وحبا لهم ورغبة في أن يكونوا على أعلى قدرًا ممكن من الصلاح.

سماحة الشيخ هذان سائلان يسألان، الأول يسأل عن أسامة بن لادن، يقول: كثير من الشباب ينظر إليه أنه رجل مصلح موحد، فهل من نصيحة لأبنائك الشباب ممن لعلها تجد آذانًا صاغية وقلوبًا واعية؟ السائل الآخر يقول: كثر الكلام عن الدكتور محمد أمان الجامي -رحمه الله- ورميه ببعض التهم فما توجيه سماحتكم؟

أما ما يقال عن أسامه فنحن لا ندري عما بينه وبين الله، لكن الظاهر أنه داعية سوء، ومن المفسدين في الأرض في أحواله، إذا كان ما نسمع عنه، لم نكن نسمع عنه في السابق، آثار الخير نعرفها، إنما دعوته حديثه يدل على أنه جاهل ظن نفسه عالما، وقد يكون وراءه أيضا من يسعى لإفساد هذه البلاد وغيرها من البلاد الإسلامية، لا نستطيع أن نقول إن وراءه الشرق أو الغرب، لكن لا بد أن وراءه من يُسَرُّ بما يحصل منه من سوء، فلا يصلح أن نقول إنه داعية، ولا إنه مصلح، وإذا قيل: إنه من زمرة المفسدين فهو ظاهر.

وأما محمد أمان الجامي فأنا أعرفه في وقت دراسته وبعد ما صار مدرسا، لا أعلم عنه إلا سلامة العقيدة، كونه قد يخطئ أو يخطئ غيره، فلا أحد معصوم، لكني لا أعلم له خطأ استنكرته، أنا كنت نصحته ألا يتدخل في أمور هو دونها مكانة، نصحته ألا يتدخل في أعياد الآخرين، يبين الحق، يكفي للإنسان أن يبين الحق، وإذا بانت سبيل الحق وعرف ظاهره فلا حاجة للإنسان أن يقول فلان ضال، وأنا لا أعلم عنه انحرافا في العقيدة، ولا أيضا عداوة لهذه البلاد، بل إذا رأيته في السابق لا ينسى فضل هذه البلاد عليه، ولا فضل آل الشيخ، الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمة الله عليه-، الشيخ عبد اللطيف، وبقية المقربين له لا ينسى فضلهم ويذكرهم بثناء ودعاء، وربما هو يدعو لهم، ربما خنقته العبرة عندي، كونه يدخل في مداخل كان أولى به في السابق ألا يدخلها، وأن يتركها لمن يستطيع أن يتجاوز العقبات فيها، والله المستعان.

يقول السائل: سماحة الشيخ إنه لمس امرأته في نهار رمضان، فخرج منه المني ولم يجامع زوجته، فماذا عليه من الكفارة؟

إذا كان خرج منه المني -والمني لا يخرج من مجرد ملامسة-، فهو أفسد الصوم ولا شك، وأما الذي كان نزل بعد مسها بدون مداعبة تتجاوز وحصل مذي، فقد أساء وصومه صحيح، أما إذا كان المني فإنه لا يكون إلا بمقدمات تدفعه، فقد أَفْسَدَتْ صومه، يقضي صيام ذلك اليوم، والله المستعان.

يقول السائل: حفظكم الله لماذا لا يعلن عن رؤية الهلال شهر ذي الحجة والمحرم في وقت مبكر، كما في رؤية هلال رمضان وجزاكم الله خيرًا؟

بالنسبة لشهر المحرم لم يثبت في طيلة السنوات الماضية في عهد الشيخ محمد -رحمة الله عليه- ثم من جاء بعده أنه أعلن دخول شهر الله المحرم، ثم الناس لا ضير عليهم أن يكثروا من الصيام في شهر الله المحرم، النبي يقول: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ»(12)، وإذا شك في اليوم التاسع، هل هو التاسع أو الثامن؟ يصوم الثامن والتاسع والعاشر ولا مضرة، والعناية بأن يعلن إعلان وشهادات، ويتحرى، هم يتحروا وما يخبرون، وفي هذه السنة دخل شهر محرم في يوم الأحد الثلاثين، على حساب الجدول من ذي الحجة، وفي الليلة الثانية رُؤي بوضوح لكن لا تغير العادة لأمر لا يترتب عليه كبير فائدة لم تكن موجودة عند الأولين، غير مناسب.

يقول السائل: سماحة الشيخ ما هو توحيد الحاكمية؟ وهل هو من أقسام التوحيد؟ وهل الحكم بغير ما أنزل الله بالقوانين الوضعية يعتبر كفرًا أكبر أو أصغر؟

هذا التوحيد ما كنا نعرفه، وإنما جاء به الشباب المتأخرون أصلحهم الله وهداهم، التوحيد إنما هو توحيد العبادة، ألا يعبد إلا الله -جل وعلا-، وتوحيد الربوبية أن الله -جل وعلا- هو الخالق، الرازق، مدبر هذا الكون، وموجد هذا الكون، الفعال لما يريد، وتوحيد الأسماء والصفات ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وأما توحيد الحاكمية من لازمهم حكمُ كلِّ أحدٍ حكمٌ باطل، ولا ينفذ إلا إذا تحققت فيه الحاكمية الْمُدَّعَاة، دراستنا ودراسة الذين درسوا قبلنا والذين درسوا بعدنا ما كان عندهم شيء يسمى الحاكمية، وإنما هذه جاءت في ظاهرها اسم توحيد، وفي باطنها السياسة والدعوة لأمر السياسة، ثم هؤلاء الذين يدعون للحاكمية لا تجد استنكارًا للبدع والضلالات، لا أقول عن هؤلاء الأفراد، لكن أصل هذه المنشأ الذي نشأ ما كانوا ينتقدون البدع التي تكون عند القبور أو دعوة غير الله -جل وعلا-، وإنما يقولون: لا إسلام، تسير المسيرة بكامل المسلمين، وهذا يرضى بما عنده، ويكفينا أننا مسلمون، لا شك أن هذا ليس من الهدى، وكلمة التوحيد الرابع هذا من البدع من دون شك، والله المستعان.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

*****************************************************************

(1) أخرجه البخاري (3/1090، رقم 2827)، ومسلم (2/699، رقم 1009).

(2) أخرجه مسلم (4/1994، رقم 2577).

(3) أخرجه أبو داود (3/87، رقم 2769).

(4) أخرجه البخاري (5/2104، رقم 5214)، ومسلم (4/2026، رقم 2628).

(5) أخرجه مسلم (1/69، رقم 49).

(6) أخرجه مسلم (3/1548، رقم 1955).

(7) أخرجه البخاري (1/27، رقم 50) ، ومسلم (1/39، رقم 9).

(8) أخرجه البخاري (9/107) تعليقا ، ومسلم (3/1343، رقم 1718).

(9) أخرجه مسلم (4/1982، رقم 2558).

(10) أخرجه البخاري (3/1257، رقم 3238) ، ومسلم (2/816، رقم 1159).

(11) أخرجه مسلم (1/523، رقم 758).

(12) أخرجه مسلم (2/821، رقم 1163).

نشرت بواسطة:مـوقـع السكينة 15 يوليو, 2013 3,448 مشاهدة

رابط الموضوع : http://www.assakina.com/mohadrat/26371.html#ixzz3MqifZ5rJ

الرابط المختصر : http://ssa.gov.sa/29900

نبذة عن الكاتب

صورة الحساب الشخصي لـ معالي الشيخ صالح بن محمد اللحيدان

اترك تعليقك