ابن حميد: علماء المملكة وقافون عند الدليل.. وغايتهم صلاح المجتمع.. والتفاف الشباب حولهم واجب

0

      ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد، إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء محاضرة بعنوان “موقف المسلم من النوازل” وذلك في مسجد عثمان بن عفان بمدينة الرياض، تحدث فيها عن الابتلاء والفتن، والالتفاف حول العلماء، وضرورة البعد عن البدع والابتداع. في هذه المساحة سنحاول تغطية أبرز ما جاء في هذه المحاضرة القيّمة، التي تحدث في بدايتها قائلاً:
صور الابتلاء:
ما سنتكلم عنه سوف يتضمن عناصر ولعلي أختار منها ما يكون أكثر التصاقاً بالموضوع وأيضاً أكثر إفادةً إن شاء الله لما اجتمعنا من أجله إن شاء الله.
الموضوع سوف يكون من عدة نقاط وهي: مقدمة في الابتلاء، ثم خطر الفتن، ثم معاني الفتن، ثم اجتماع الكلمة واجتناب التفرق، ثم الالتفاف حول العلماء، ثم التسلح بالعلم الشرعي، ثم توحيد المصدر والتلقي والبعد عن الابتداع، ثم نماذج من الثبات على الفتن، ثم خاتمة ووقاية وإرشادات وتتضمن سبع عشرة توصية وقد آتي عليها خاتمةً إن شاء الله.
فيما يتعلق بالابتلاء… جعل الله تعالى هذه الدنيا دار فناء بل إن أبانا آدم وأمنا حواء، عندما الله سبحانه وتعالى خلقهما وجعلهما في الجنة، ابتلاهما مباشرةً بالشجرة وابتلاهما بالشيطان من أول حياتهما، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن نكون هذه الدنيا وأن نكون نحن المكلفون مبتلين، فابتلي أبانا آدم بالشجرة وابتلي أيضاً بالشيطان الذي سُلط عليه، وأهبطهما الله عزَّ وجلَّ: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، وآدم وحواء قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)فقال الله عزَّ وجلَّ: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)وهذه نعمة من نعم الله عزَّ وجلَّ، فالابتلاء كل الدنيا ابتلاء، بل يقول الله عزَّ وجلَّ: (الم (1)أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)، إذن الابتلاء فهو لهذا، وأيضاً قال الله عزَّ وجلَّ في محمد صلى الله عليه وسلم وفي آله وصحبه في أعقاب غزوة أحد: (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ).
بين الصبر والشكر
فإذا أخذنا أن الدنيا كلها ابتلاء وأن سنة الله عزَّ وجلَّ هي ابتلاء، فهذا من حكمة الله عزَّ وجلَّ وفضله ورحمة ومنّته، أنه دلنا أنها ابتلاء،، لماذا…؟، حتى نستعد، وأنت عندما تعلم أن الدنيا ابتلاء، وأنك مقبل على شيء مبتلى به فإنك تتهيأ، يعني لو كنت تسير بالسيارة ثم جاءك في الأخبار أنه بعد مسافة ساعتين فهناك وادٍ أو أنه بعد ساعتين هناك بلاد ممطورة أو هناك ريح قادمة سوف تتهيأ وتتهيب بحيث يكون الوقع عليك خفيفاً، فإذاً حينما يُربى على أن الدنيا ابتلاء تتهيأ، والابتلاء ليس ابتلاء، فالناس كثير منهم ما يظن الابتلاء فقط في النوازل الكبار ولا شك أن هذا ابتلاء وأن الله عزَّ وجلَّ جعل الدنيا كلها ابتلاء، حتى في أنفسنا، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ)، (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً)، (أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ )، (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر).
فالحياة كلها ابتلاء، من هنا يتهيأ المسلم، بحيث إنه لا يصيبه أنصاب إن أصابه مرضٌ أن يكون متهيئاً وإن أصابه خير أيضاً يكون متهيئاً بحيث لا يبطر ولهذا يكون بين الشكر وبين الصبر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبت لأمر المؤمن وأمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، ولا يقول ذلك غير المؤمن)، فإذا لا يكاد المسلم إلا أن يكون بين سراء وضراء وليس المسلم، بل كل بني آدم، بل كل المكلفين الثقلين، بين سراء وضراء.
الظلم والتسلط
إذا كانت هذه سنَّة الله عزَّ وجلَّ وربنا علمنا وربانا وهيأنا، بل جعل ذلك أصلاً في أبوينا آدم وحواء إلى أن تسلسل ووصلنا أن نكون متهيئين أكثر، وهذه قضية مهمة جداً أن الله عزَّ وجلَّ وضع سنة الابتلاء ودلنا عليها لنتهيأ في أزواجنا وفي أولادنا وفي أهلنا وفي أموالنا وفي فقرنا وفي غنانا وفي صحتنا وفي مرضنا وفي أمور كثيرة، ولكن الأخوان وكأنهم أرادوا أن يكون كلامنا مقصوراً حول النوازل الكبار وهذا أيضاً لا مانع منه لكن لو تهيأنا لكل النوازل دخلت فيها الكبار، ولهذا أحاول أن أقصر الكلام على الفتن بالمفهوم الضيق أو بالمفهوم الخاص، مع أني أريد من طلبة العلم الموجودين هنا ومن يستمع لهذه الكلمة، أن يبحثوا في معنى الكلمة في كتاب الله وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مبحثٌ جميلٌ جداً في كتاب أو رسالة في الفتن، ومع هذا إن كلمة الفتن في القرآن وردت في معانٍ كثيرة أو معانٍ يفسر بعضها بعضاً ويدل على المقصود، فمثلاً في قوله تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً).وإن كنت سآتي إلى معاني الفتنة في هذا الموضوع، لكن أحب لطلبة العلم إذا مر عليهم لفظ الفتنة في القرآن والسنّة أن يفهموا المراد، لأن مواردها في القرآن موارد جميلة وعميقة ودقيقة وفيها فقه عميق، في قوله تعالى؛ (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، إذاً الخير فتنة والشر فتنة وكلاهما ابتلاء، إذاً مفهوم الفتنة واسع فهي محل الاختبار، وفي قوله عزَّ وجلَّ: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ).إذا هي شيء آخر، هذه فتنة في الدين، قال عزَّ وجلَّ: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ)قالوا:والفتنة أشد من القتل، قال:أشدُ من القتل..!، وقالوا:ديننا لله، قال: ديننا كله لله..!، والفتنة أشد من القتل، أي أن الفتنة نوع آخر نوع فتنة خاصة قد تكون في الابتلاء في الدين أو الابتلاء في أحوال الكفار أو في ظروف معينة، في قوله عزَّ وجلَّ: (أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)، إذاً هي شيء آخر من الفتنة، وقد يكون من الجميل أن يتأمل طلبة العلم في موارد الفتنة أو ألفاظها ومعانيها في الكتاب والسنّة لأن بعضها يدل على بعض، الفتنة في المعنى الذي أراد الأخوان أن نتكلم عنه هي فتنة الكبار، إن كان مثلاً بعض أحوالها أو ظلم الكبير أو تسلط الكفار وتسلط الأعداء، وجود أوضاع يشعر المسلم أنه لا طاقة له فيها، أو أنها كما صوّرها النبي صلى الله عليه وسلم تدع الحليم حيراناً..!
انتزاع الثقة بين العلماء
هذا النوع من الفتن هو الذي نتكلم عنه وإن كنا لا نستطيع أن نقصره أو نحصره في نازلة أو في مسألة معينة، لكن بقدر ما يكون شيئاً عاماً يأخذ الناس ويهزهم، ويجعلهم في نوع من الاضطراب، هذا لا تستطيع أن تقصره، هل هو مثلاً: تسلط ظالم، هل هو تسلط كفار، أو هو تسلط على فئة هل هو:علماني أو نحو ذلك بغض النظر عن الأشياء التي أحياناً قد يصورها بعض الناس أنها ليست من الفسوق، ولهذا أيضاً سنذكر من هو المرجع في الفتن وتحديدها، لاشك أنه لا بد أن نستعجل على ترتيب الكلمة، ولكن وقتنا الحاضر أصبح أكثر اضطراباً، لعدة أمور وقد يكون منها الحلول التي ذكرتها، ولكن سبب الاضطراب الكثير، أولاً:التواصل.. والحقيقة عدم معرفة المخارج له دور في وجود الاضطراب.وهي طبعاً ليست من عندي أنا ذكرتها من باب العلم ولو عرفناها لخف الاضطراب، فالاضطراب مصدره ليس لأن الفتن موجودة عند السابقين، إنما مصدره لأننا ما عرفنا المخارج، فأقول لكم مباشرةً: انتزاع الثقة بين العلماء جعلت الاضطراب أكثر، وانتزاع الثقة ليس لأنه لا يوجد علماء، هذا غير صحيح، وهذا سنتكلم عنه، يوجد علماء ويوجد أخيار، لكن انتزاع الثقة نظراً لأن الناس ما راجعوا العلماء هذه حقيقة ولا أخذوا بكلام العلماء، قد يكونون قد شككوا ولكن ما كان يجب عليهم ذلك، فهو لا يجوز، والنصوص صريحة في الرجوع إلى أهل العلم والرجوع إلى أهل الصلاح، ولكن لا يرجعون، مادام شككوا في العلماء أصبح ليس لديهم مرجع، وإذا أصبح المرء ليس له مرجعاً أصبح الدرء وأصبحت القضية (تقريباً تكاتفوا) هذه خلاصة الموضوع كله.
قاعدة حاسمة في الفتن
ويضيف الشيخ ابن حميد:لو أن الفتنة في معناها وفي الموقف منها رجعت إلى العلماء لانتهى الموضوع، هل هذا بدءٌ في الفتنة، وهل هي فتنة في الخير أو الشر، المرجع للعلماء وهل هي لسبب عذاب وسبب رفع درجات، كل هذه القضايا ليست سهلة، أكثر الناس يقولون:إن الفتن عذاب والفتن نتيجة التقصير، هذا وارد ولكن لماذا لا يكون الأمر الآخر، للتمحيص، ويكون لرفع الدرجات ويكون الثبات ولأشياء كثيرة ولهذا لا تجزم أنت ولا يجزم أن هذه فتنة من أي نوع، فالاضطراب ليس لأنه لا يوجد علماء، وليس لأنه لا يحدد ما هي الفتنة، ولا مانع من أن ننتقل حتى نصل إلى النتائج، في قول الله عزَّ وجلَّ: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ )، هذه حاسمة تماماً في الفتن، بل تكاد تكون معياراً لا يتخلف، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف يعني الشر والخير، أي حال تقع في الأمة، حال في القضايا العامة ومسائل عامة ما كان ينبغي إلا الرجوع لأولي الأمر، ولاة الأمور في هذه الآية هم ولاة الأمر والحكام ويدخل فيهم العلماء، غريب يا أخواني ترتيب الرجوع ناهيك كما قلت قبل قليل وسائل معاصرة، الجوالات والإنترنت والقنوات الفضائية وشرائط القنوات الفضائية اضطراب لا نهاية له يعني كل واحد يتكلم تفسيره وكل واحد رؤيته ليس له مرجع ليس هناك أي مرجعية والمرجعية موجودة قطعاً وهذا ليس فقط في عهد الصحابة وعهد المنافقين وإنما إلى أن تقوم الساعة، إذن مرد الفتن إلى أولي الأمر إلى مرد الساعة هذه حقيقة ما كان لنا أن نضطرب لو كنا على نهج القرآن لكننا لم نكن على نهج القرآن والرجوع إلى أولي الأمر ردوه للرسول وإلى أولي الأمر، وقال تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ)، لهذا أولو الأمر هم مرجعنا، فقط نحيل إليهم ونستكين ولا نتدخل أولو الأمر أيضاً عندهم قنواتهم، أولو الأمر مسؤوليتنا أن نرجع إليهم، أولو الأمر عندهم أدوات وعندهم آليات وعندهم قنوات وعندهم قواعد وعندهم أشياء يعرفون بها المخارج وهو الرجوع إلى المستنبطين والمستنبطون قد يكونوا مستشارين في المجالس وقد يكونوا هيئات وقد يكونوا مصالح مؤسسات…
الانشغال بالسياسة
وحذر الشيخ ابن حميد من التوسع في متابعة الشأن السياسي وقال: إن خوض العامة في السياسة وأمور الحرب والسلم والأمن والخوف أمرٌ معتاد وهو ضارٌ جداً، إذا شغلوا به عن عملهم وهذا هو الواقع مع الأسف، الناس ضيعت أعمالها وضيعت حياتها وهم منغمرون في الجرائد والإنترنت بينما تجد نسبة الإنجاز في العمل لا تساوي شيئاً وهم مشغولون.!
وخوض العامة ليسوا مختصين لا هم من أولي أمر ولا مستنبطين، والعامة هم الذين ليسوا من أهل الاختصاص وهذا ليس من شأنهم إن كنت فقيهاً فكن في فقهك، وإن كنت طبيباً فكن في طبك وإن كنت جغرافياً فكن في جغرافيتك، لا أقول لك لا تتثقف ثقافة عامة ولكن لا تدخل فيها دخول مضطرب ودخول تتلمس فيه أين الطريق، لا الطريق معروف أسأل عند مختص وقف عند سؤاله وتنتهي المسألة، ويكون ضرره أشد إذا وقفوا على أسرار ذلك وأذاعوا به.
معنى الفتنة
وتحدث الشيخ عن معنى الفتن فقال: إن الفتنة معانيها كثيرة منها تأتي بالابتلاء والامتحان والاختبار وتأتي بمعنى المال والأولاد والكفر واختلاف الناس في الآراء والأغلال العذاب والقتال والفضيحة كلها معانٍ فإذا ما جمعناها وحاولنا قراءتها سوف يبين لنا المراد ومنهج القرآن فيها خاصة في موارد هذه اللحظة، فمثلاً قول الله عزَّ وجلَّ: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ) يعني الإضلال والفتنة هنا الإضلال كما يقول ابن كثير الإضلال لأتباعهم وإيثاماً عليهم يحتجون على بدعتهم للقرآن، ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا )، قال فتنوا بمعنى عذبوا، ومعنى آخر، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)، قال هي الكفر والنفاق والبدعة، إذا كل مورد له معنى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل مظلما يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه لعرض من الدنيا)، قال النووي – رحمه الله-: معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها أي – الانشغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة، وقد يكون هذا ضابطاً جميلاً، وهو أن ما أشغلك فهو فتنة، فإذا دخلت في المعمعة وانشغلت إذا فهي فتنة، فالحقيقة أنني أكلمكم وأنا اصطحب، أخواني وأبنائي وتلاميذي الشباب وهم فعلاً يتقلبون في الأجواء وفي المجتمعات وفي الأحوال وفي الأوضاع وهم مشغولون والانشغال هذا ما كان لهم أبداً يا أخوان، هذه فتنة، حقهم أن يركزوا، لو ركزوا مع أعمال دنيوية تنفع أو مع طلب علم أو على أي تخصص مفيد سواء اشتغلوا في الفلاحة أو الزراعة أو في العبادة ما تجدهم مشتغلين أبداً فهم مضطربون غير مستقرين، ولا أقول البيت عليه مسؤولية إلى حد ما في نوع التربية لكن الواقع، فيه كلامٌ كثير، والملاحظ أن الذي يوفقه الله عزَّ وجلَّ ويكون جاداً في حياته، لا يدخل الفتن ويقيه الله من الفتن، أي إنسان جاد سواء في علم، سواء في تجارة أو زراعة، حتى في مكتبه أو حارس أو قطاع خاص أو غيره، إن كان جاداً هذه القضايا لا تشغله، تسألونه فيقول لكم إنه لا يعرف ويطلب منهم أن يتركوه في شغله، بينما المشغول عن الشيء المفيد هذه فتنة.
الواقيات من الفتن
ثم تحدث معالي الشيخ صالح عن الواقيات من الفتن وقال: من أهم ما ذكر العلماء في الخروج من الفتن، اجتماع الكلمة، وهذه قضية هي قضية القضايا وأسس الأسس ومحور الارتكاز وركن الأركان.
اجتماع الكلمة على أي حال، سواء التعاون، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) لاحظ الفرق…! بينما قال (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ)ما الفرق..؟، أي أنهم من جنس بعض، ما لهم أي علاقة فيما بينهم إنما هذا من هذا، مثل عندما نقول: اللبن من الطين وطوب من الأسمنت، أي أنه ليس له أي علاقة إلى أنه من نوعه بعضهم من بعض، وإنما المؤمنون بعضهم أولياء وإنما الولاية نصرة واتحاد وبينهم أشياء قلبية وولاء، ليس مجرد حجر بجانب حجر أو جسم بجانب جسم، وإنما بعضهم من بعض، يشد بعضهم بعضا، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء، هؤلاء هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، بينهم ولاء وبينهم محبة وبينهم تعاطف وبينهم مودة وبينهم أشياء، هذا يظهر التعاون بل هو من أهم مهمات التعاون أي من أساسيات التعاون حينما يتحقق الولاء مع إخواننا المؤمنين يأتي التعاون، وحينما نتعاون تنتفي الفتن بإذن الله تعالى، فأول شيء هو اجتماع الكلمة على ولاة الأمور وعلى العلماء، وأحياناً هناك التباس، يقولون: إنه لا يوجد علماء أو من العلماء الذين اجتمع عليهم، هذه قضية خطيرة جداً فعلاً حينما نفتقرها هي فعلاً سنكون كقطيع الغنم الذي فيه ذئاب، أو كما قال كالغنم في المطر لا تعرف أين تتجه، بينما العلماء موجودون هذا ليس من عندي، العلماء الذين تثق الأمة بدينهم وعلمهم هم بحمد الله كثيرون، لا يمكن أن تفقدهم الأمة ومن زعم أنهم يفقدون فقد زعم أن الدين ينتهي، وهذا لا يصح لأن الله تكفل بحفظه إلى قيام الساعة، أن الأمة إنما تمثل لعلمائها، وأهل السنة والجماعة لابد ظاهرون إلى قيام الساعة وإنما يمثلهم أهل العلم والفقه في الدين، فمن أدعى أنه لا يوجد قدوة من العلماء ممن تهتدي بهم الأمة فقد زعم أنه ليس هناك طائفة منصورة ولا فرقة ناجية وأن الحق ينقطع ويعمى عن الناس وهذا يخالف قطعيات النصوص وبديهيات الدين، هذه القضية حق.
علماؤنا يبحثون عن الحق
مشكلتنا أننا ننشد الكمال في العلماء أو نتكلم عن الماضي عن الذين ذهبوا وأدوا مسؤولياتهم هذا حق..، لأنه في وقت العالم الذي توفي كان الناس أيضاً يذكرون العالم الماضي وهذه حقيقة، لا أقول إن الكمال مدعى إنما أن نكون مع العلماء ونسددهم.. فتراهم محكمة ضمائرهم إن شاء الله نحسبهم على أنهم تُقى وعلى صلاح، لا ندعي لهم العصمة ولا ندعي أنهم لا يخطئون، لكن خطأ، الرسول صلى الله عليه وسلم جعله أجراً، فالأجر لا يصدر لهم دون أن يخطئوا حتى لو صدرت فتوى خطأ حتى لو صدر بيان خطأ، حينما وضعوه لم يضعوه وهم يعرفون أنه خطأ، وليسوا معصومين، الخطأ وارد ولكن لا يشوش على إمامتهم ولا يشوش على حق الاقتداء بهم ولا يشوش على لزوم ركابهم، يا أخواني علماؤنا هم منا والالتفاف حولهم مصلحتنا ومصلحة أمتنا ومصلحة جماعتنا إما أن نسرح وندب على الشيء الماضي، لا شك أن ذكر محاسن الموتى والتأسي بهم وحفظهم وذكر صالح أعمالهم حق ولكن لا يكون على حساب أن نهدم أنفسنا وفعلاً نزداد بلاء ونزداد تقطعاً، كما قلت العلماء موجودون والعلماء أخيار واثبات ومجتهدون، قد أكون أنا قريباً إلى حد ما إلى بعض اجتماعات مشايخ أهل العلم، يعني أدين الله عزَّ وجلَّ بأن لا أعرف بأن مسألةً بحثت وأن فيهم من يتكلم وهو لا يراقب الله عزَّ وجلَّ أو أنه يتكلم وهو يراعي أمراً من أمور العامة أو أم غيرهم، والله لا يرعون إلا ما قال الله وقال رسوله، الموافق والمخالف كلهم إن شاء الله على خير في قضيةٍ أنه خالف إما ما عليه المتقدم أو المتأخر فأتهم لأنه خالف لأنه يريد أن يجامل فلاناً ويراعي فلاناً، لا يجوز لكم أن يأتي في أذهنكم أبدا البتة، ولا يزال العلماء يختلفون ولا يزالون يردون بعضهم على بعض والرد المؤدب لا يوجد به أي أشكال.
تجنب الزيغ والانحراف
أحياناً بعض الأمور حينما تحصل لم تؤثر على أي معنى فيهم ولا تؤثر على الاقتداء بهم ولا يجوز أبداً أن ندخل في صلاحهم وتقواهم ونشكك في تقواهم أو في ورعهم، كما قلت يا أخواني ركن من الأركان وأساس من أسس الاجتماع وجمع الكلمة على ولاة الأمور وعلى العلماء، ألا تلاحظون العالم يتحد والعالم يتجمع ولا تزال الأمة يقطع بعضها بعضاً، وخاصة أهل الصلاح وأهل الخير وأهل المنهج الحق، ولهذا قالوا الالتفاف حول العلماء عامل على عدم الزيغ والانحراف في وقت الفتن وسبيل من سبل الوقاية من فتنة التفرق والاختلاف، وكيف لا وهم أسرار شرع الله، والذين يبينون للناس الحق من الباطل والهدى والضلال ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من الناس، ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر)، فلا بد من الالتفاف حولهم وحول أهل العلم بحضور حلقهم العلمية وزيارتهم والرجوع إليهم في المسائل والأحكام المستجدة التي تخفى على الناس، لاسيما في مسائل الاعتقاد والأحكام والأمور التي تنبني عليها مصير الأمة ومن ثم تُسد الثغرات على أعداء الإسلام فلا يستطيعون الدخول في الدين والتفريق بين المسلمين، والله ما دخلوا إلا من هذا الباب، في نوع من شككوا في القيادات ومنهم من شكك في المصادر والمصطلح الجيد المرجعية.أينما كان نبقى على علمائنا وكما قلنا لا ندعي لهم العصمة ولكننا نعلم إن شاء الله – كما قلت – أنه لا أحد منهم أنه حينما يناقش أنه يراعي شيئاً ما من أمور ألدنيا أو من الأهواء، يتكلمون ويتناقشون قال الله وقال الرسول، الدين أمامهم والسنة أمامهم ومصالح الأمة أمامهم وحق الأمور أمامهم.
الاجتهاد في التمكن من العلم
كذلك أيضاً من مخارج الفتن… التسلح بالعلم الشرعي وإن كان ذلك لا يطلب من كل شخص، وهذا فيه أيضاً أمر ينبغي أن يُفهم التسلح بالعلم الشرعي من طلبة العلم لا شك أنه الآن كل الناس تعلم أن يقرأ ويكتب وكلٌ يستطيع أن يواصل مع وسائل المعرفة إن كانت مقروءة أو مسموعة أو مشاهده كلٌ يستطيع أن يحصل على المعلومة لكن هل هذا كافٍ، كم هو جميل لو أن كل إنسان فعلاً رجع وتمسك بما هو فيه من اهتمامات وترك الباقي لأهله ولأهل كل فنٍ فنه، لكن طلبة العلم خصوصاً المنتسبين: أن يجتهدوا في التمكن منهم وألا يتعجلوا سواء الأحكام أو التأليف وأنا أيضاً أنصح بعدم التأليف لطالب العلم المبكر، لا مانع من أن يكتب ويبقيه عنده ويراجعه إن شاء الله إذا كبر، لا مانع من أن يكتب ولكن لا أنصح من هم في العشرينات أن يألفوا ولا أنصح أنه يتصدر، لأن من تصدر وهو صغير فهو يضر نفسه ويضر من حوله ويجد في المستقبل أنه خسر شيئاً كثيراً، لا يتصدر أبداً إلا بعداً كما يقول ابن عمر: تزودوا قبل أن تسودوا، بمعنى أنك تصل إلى مرحلة السيادة أي مرحلة القيادة، حينما تتقدم وتصبح من فوق الثلاثينات، إنما يتعلم ويجتهد ويحصل ويترفق بنفسه ويتسلح بالعلم الشرعي ولهذا شيخ الإسلام – رحمه الله – يقول: إذا انقطع عن الناس نور النبوة ووقعوا في ظلمة الفتن وحدث البدع والفتور ووقع الشر بينهم.
فلا بد من العلم والتسلح بسلاح العلم قال الله وقال الرسول، وشيخنا الإمام ابن باز يقول: فكل أنواع الفتن لا سبيل للتخلص منها والنجاة منها إلا بالتفقه في كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، ومعرفة سلف الأمة والصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم من أئمة الإسلام ودعاة الهدى، فالتسلح بالعلم ولا سيما في المرتجعين للعلم الشرعي يجب عليهم الاهتمام بهذا الموضوع وأيضاً يتصل بهذا مسألتان وهما:
الأولى: توحيد مصدر التلقي في العقائد والعبادات والقضايا الكبرى في حياة المسلمين بمعنى أنك تحاول أن تلتزم بالكتاب والسنّة ولكنك قد تكون صغيراً ولكن إنما ثني الركب بين يدي أهل العلم فالتوحيد مصدر التلقي وبعضهم يستدل بغضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى عمر بن الخطاب معه قطعه من التوراة، فقال في غضب: (أو في شك يا ابن الخطاب لقد أتيت بها بيضاء نقية والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي)، لزوم المصدرين الكتاب والسنّة. كذلك أيضاً أخواني: من أسباب الفتن… البعد عن الابتداع في الدين لأنه من أسباب الفتن واضطراب الأمن الفكري.

الرابط المختصر : http://ssa.gov.sa/11840

نبذة عن الكاتب

صورة الحساب الشخصي لـ معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد

اترك تعليقك