الأصول التي قامت عليها عقيدة أهل السنة والجماعة

0

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه وسار على نهجه، وتمسَّك بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد كان الناسُ قبل بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، قد اندثرت آثار الرسالات السابقة، فاستحكم أمر الجاهلية، وصاروا متفرقين متشتتين متناحرين، لا رابطة تجمعهم، ولا عقيدة ينضوون تحتها، وليس عندهم كتاب من الله يستنيرون به، ويستضيؤون بضوئه؛ لأن الكتب السابقة حرفت وغيرت وانقرض أكثرها، فبقيت البشرية في ظلام دامس من جميع النواحي.
ولكن الله – سبحانه وتعالى – برحمته تكفّل أنه يرسل الرسل لهداية الناس في ما اختلفوا فيه ،ولا يتركهم في ضلالتهم وجهالتهم، بل إنه – سبحانه وتعالى – اقتضت رحمته بعباده أنه يرسل الرسل عندما تشتد الحاجة إليهم، وقد اشتدت الحاجة قبل بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى رسول يبين لهم ويهديهم الصراط المستقيم، ويضيء لهم المنهج الذي يسيرون عليه، فبعث الله محمدا – صلى الله عليه وسلم – في هذه الفترة، {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19]، فقام – صلى الله عليه وسلم – ممتثلا أمر الله في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1 – 7].
فقام – صلى الله عليه وسلم – وحيدًا في العالم يدعو إلى الله – سبحانه وتعالى – ، ولم يتبعه إلا أفرادٌ من الناس قليلون على خوفٍ من الكفار، وصاروا يسلمون الواحد بعد الواحد، والعرب والعجم كلهم ضد هذه الدعوة المباركة.
ثم إنه – صلى الله عليه وسلم – واصل الدعوة، فاجتمع حوله من اجتمع من المسلمين السابقين على خفية من أعدائهم، ثم إنهم تزايدوا وتزايدوا حتى كثروا، ولكن لا يزال الخناق مضيَّقًا عليهم في مكة، وقابلوا من الكفار الأذى الكثيرن والضغط الشديد، يريدونهم أن يرجعوا عن اتباع هذا الرسول – صلى الله عليه وسلم – وما يزيدهم ذلك إلا قوة وثباتا، ثم أذن الله – سبحانه وتعالى – لرسوله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين بالهجرة، وهي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد يُظهرون فيه دينَهم، فهاجروا إلى الحبشة عند ملك يقال له النجاشي، من النصارى، لا يُظلم عنده أحدٌ، فصاروا هناك في منجى من أذى الكفار، وحاول الكفار استردادهم فلم يفلحوا، ثم إن الله منَّ هذا الملك النجاشي فأسلم، فدخل في دين الله – عز وجل – ثم بلغ المسلمين أن ضغط الكفار قد خفَّ، أو أنهم قد تراجعوا عن معارضتهم، فعادوا إلى مكة، فوجدوا الأمر أشدَّ مما كان، ثم عادوا إلى الحبشة وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة.
ثم أذن الله لرسوله – صلى الله عليه وسلم – بالهجرة إلى المدينة بعدما جاء ناس من أهلها في الحج وعرض عليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – دعوته، فدخلت في قلوبهم، وأسمعهم القرآنَ، وقالوا: إن هذا لهو النبي الذي تهددكم به اليهود؛ لأن المدينة كان فيها طوائف من اليهود يهددون الأنصار، والأوس والخزرج لم يُسمّوا بالأنصار إلا بعد الهجرة، وكان اليهود يهددونهم بأنه سيبعث نبي فنجاهدكم معه، {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]، أي اليهود، فقال الأنصار: فلا يسبقكم إليه يهودُ، فآمنوا به وبايعوه.
ثم في السنة التالية قدم وفدٌ أكثرُ من الوفدِ الأولِ، وهي البيعة الثانية، وتمت الاتفاقية بينهم وبين الرسول – صلى الله عليه وسلم – على أن يهاجر إليهم، وأن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأولادهم، فأذن النبي – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، ثم لحق بهم، وتكونت دار الهجرة، وتكون المهاجرون والأنصار هناك، فقوى الله أمر رسوله – صلى الله عليه وسلم -.
وكانت أول وقعة حصلت في بدر هزمَ اللهُ بها المشكرين، وقتل رؤوسَ الكفر، وانتصر المسلمون في بدر الكبرى، وهذا يصوره قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29].
هذه نشأة الإسلام شيئًا فشيئًا حتى قوي، وأذن اللهُ لرسوله بالجهاد في سبيل الله – عز وجل -، وتآخى المسلمون على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، وصاروا إخوانًا متحابِّين بدل أن كانوا متعادين متقاطعين، اجتمع الأوس والخزرج الذين كانوا في الجاهلية على حروب بينهم طاحنة، اجتمعوا وصاروا إخوة، وبينما هم كذلك حاول اليهودُ تفريقهم، فلما مر يهودي وصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الأوس والخزرج مجتمعين في مكان متحابين متآخين، ساءه ذلك فجاء وجلس إليهم، وذكَّرهم بما كان بينهم في الجاهلية من الحروب والثارات والأشعار المهيجة، فحينئذ ثارت ثائرةُ الحيين وتواعدوا القتال تأثرا بهذا اليهودي، فجاءهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصلح بينهم، وأنزل الله تعالى قوله {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]، فعند ذلك قاموا يتعانقون، ويسلم بعضهم على بعض، وأبطل الله مكيدة هذا اليهودي.
ثم حاولوا مرة ثانية، فقالوا كما ذكر الله عنهم: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فحاولوا أن يُسلموا ثم يرتدوا في اليوم الواحد، حتى إذا رآهم الناس اقتدوا بهم، وخرجوا من الدين، وارتدوا عن دين محمد – صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم أهل كتاب، فيقولون: ما تركوا هذا الدين إلا لأنهم أهل كتاب ويعرفون أن هذا الدين لا يصلح، ولكن الله – عز وجل – أبطل هذه الحيلة أيضًا.
ثم إنهم حاولوا المرة الثالثة فدسوا على المسلمين رجلا يهوديًّا تظاهر بالإسلام من أهل اليمن، يقال له: (ابن السوداء) من يهود اليمن، هو عبد الله بن سبأ، فجاء الخبيث مظهرًا للإسلام في خلافة عثمان – رضي الله عنه -، وصار يهيج الناس عليه، ويحرضهم عليه، فاتبعه من اتبعه من قاصري النظر وضعيفي العقول، فحصلت الفتنة بقتل عثمان – رضي الله عنه -، وظن اليهود أنهم بهذا قضوا على الإسلام، ولكن – ورغم ما حصل من فتنة وقتل بين المسلمين – لا زال – سبحانه وتعالى – يحفظ دينه من كيدهم.
والحاصل أن اليهود ما يزالون {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة: 2]، {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135]، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، فهم لا يزالون على هذا الحقد لهذا الدين، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].
والله جل وعلا قال لنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149]، فحذّرنا من طاعة الكفار والمنافقين، وطاعة اليهود والنصارى، مما يدل على أن كيدَهم سيستمر ضد الإسلام، فنكون على حذر، ولا منجاةَ لنا إلا بما أرشد إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – عند ظهور الفرق والفتن في حديث العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال: وعظنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»(1)، فأخبر – صلى الله عليه وسلم – عن حدوث الاختلاف من بعده، وأمر عند ذلك بثلاثة أمور:
أولا: تقوى الله سبحانه وتعالى:
بفعل أوامره، وترك نواهيه، والتمسك بدينه وبحبله، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
ثانيا: السمع والطاعة السمع والطاعة لولي أمر المسلمين:
واجتماع الكلمة، وعدم التفرق والاختلاف؛ لأن ولي أمر المسلمين يكون ترسًا يتترس به المسلمون ضد ما يضرهم، فإمام المسلمين تجتمع عليه الكلمة، وهو الذي يقيم الحدود، وهو الذي ينصف المظلوم من الظالم، ويرد الحقوق إلى مستحقيها، وهو الذي يقيم الجهاد في سبيل الله، وهو الذي يرجع المسلمون إليه عند الاختلاف، فولي أمر المسلمين له مكانة عظيمة في الإسلام، وله آثار عظيمة، ولا يصلح المسلمون بدون إمام ولو للحظة واحدة، ولهذا لما توفي النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يشتغلوا بجنازته – عليه الصلاة والسلام – حتى نصبوا إمامًا يخلفه، وهو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – مما يدل على أن وجود الإمام ضرورة؛ لأنه هو الذي يقود الجماعة، والله أمرنا بالجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، فلذلك أوصى النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: «والسمع والطاعة» يعني لولي الأمر «وإن تأمر عليكم عبد». والله جل وعلا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
ثالثا: التمسك بالسنة:
فقال – صلى الله عليه وسلم -: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، فعند الفتن لا منجاة إلا باتباع الكتاب والسنة.
هذا ما أوصى به النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذا الحديث وفي غيره، فهذه الضوابط التي أوصى بها النبي – صلى الله عليه وسلم – عند حدوث الفتن، وبها النجاة من الفتن، فلا بد من إمام، ولا بد من منهج، والمنهج هو سنةُ الرسول – صلى الله عليه وسلم ، وسنة خلفائه الراشدين، امتثل المسلمون هذه الوصايا فقامت دولتهم في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وفي عهد الخلفاء الراشدين.
ثم حدثت الفتن التي أخبر عنها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وظهرت الفرق، فأول فرقة ظهرت فرقة الشيعة، الذين يطعنون في صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وفي الخلفاء الراشدين، ويزعمون أنهم يتبعون أهل البيت، وأن الحق لأهل البيت بعد الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأن عليًّا هو الوصي بعد رسول الله، وأن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان كلها ظلم واغتصاب للخلافة، كما يقولون هؤلاء الشيعة الذين بذرتهم الأولى ابن سبأ اليهودي كما سمعتم، ولا يزال كيدهم للإسلام والمسلمين.
ثم ظهرت فرقة القدرية، وإن الله جل وعلا جعل الإيمانَ بالقدر من أصول الإيمان، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لما سأله جبريل – عليه السلام – عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتب ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»(2)، والقدر هو ما يقدره الله – سبحانه وتعالى – على عباده، فالقدر بيد الله، ولا يجري شيء إلا بقضاء وقدر، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، فظهرت القدرية وهم على فريقين: غلاة ونفاة.
فالغلاة: هم الجبرية الذين يغلون في إثبات القدر، وينفون اختيار العبد، يقولون إن العبد مجبور على أفعاله، وليس له فيها اختيار، فهؤلاء يغلون في إثبات القدر، ويسلبون اختيار العبد وفعله.
والنفاة: فهم على النقيض، فإنهم ينفون القدر، ويثبتون اختيار العبد، ويقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، ولم يُقدّر الله عليه شيئا، بل العبد هو الذي يحدث أفعاله مستقلا عن قضاء الله وقدره، وعلى هذا المعتزلةُ ومن سار على نهجهم.
هذا الافتراق في القدر، أما أهل السنة والجماعة، فيؤمنون بالقضاء والقدر كما جاء في الكتاب والسنة، ولكنهم يؤمنون أيضًا بإثبات أفعال العبد، فيجمعون بين الأمرين، أن الله قدر، وأن العبد يفعل باختياره ومشيئته، وله قدرة على الترك وعلى الفعل.
وعلى المذهب الأول – الجبر – الجهميةُ، أتباع الجهم بن صفوان، وعلى الطرف الثاني المعتزلة، وإمامهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهم، هؤلاء هم القدرية وهذه فرقتهم.
ومن الاختلاف ايضا ما كان من الجهمية – أتباع الجهم بن صفوان -، ولهم مذاهب قبيحة، ينفون أسماء الله وصفاته، وينفون اختيار العبد وفعله، ويزعمون أنه مجبر على فعله -كما سبق -، ويقولون بالإرجاء أيضًا – كما يأتي-، وعلى نقيضهم المعتزلة، هؤلاء هم القدرية بقسميها.
ثم ظهرت فرقة الخوارج، وهذا في أصحاب الكبائر من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم -، فأصحاب الكبائر من الأمة هم الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، لكن قد يحصل منهم ذنوب كبائر، لكنها دون الشرك، كالزنا والسرقة شرب الخمر وأكل الربا وغير ذلك، والكبائر على قسمين:
القسم الأول: الشرك: وهذا أكبر الكبائر، وهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة، وأما بقية الكبائر فهي تحت مشيئة الله، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، فالشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة، أما ما عداه فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذَّب صاحبه، وإن شاء غفر له، ولكنه لا يخرج من الدين.
لكن الخوارج قالوا: صاحب الكبيرة يخرج من الدين، فكفَّروا المسلمين بالكبائر، وكفروا من خالفهم في هذا المذهب، واستخلوا دماء المسلمين على أنهم كفار عندهم، وهذا هو مذهب الخوارج.
ثم إن الخوارج – بناءً على أنهم يكفرون بالكبيرة – خرجوا على ولاة أمور المسلمين، فإذا حصل من الوالي معصية أو مخالفة فإنهم يكفرونه، وبالتالي يخرجون عليه ويقاتلونه، هذا مذهب الخوارج يجمع بين الأمرين: الخروج على ولي أمر المسلمين بحجة أنه فعل كبيرة دون الشرك، وبالتالي يخرجون عليه ويسفكون دماء المسلمين الذين يخالفونهم في هذا الاعتقاد الباطل، فكم قتلوا من المسلمين كما أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان»، فهذه صفة الخوارج والعياذ بالله، فرقة مارقة، «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»(3)، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فسادهم كبير؛ لأنهم يسفكون الدماء، ويحولون أن ينقضوا عصا الطاعة، ويفرقون الجماعة، وهذا من أعظم الاخطار التي تحصل للمسلمين بسبب هذا المذهب الخبيث وهذه الفرقة.
ولهذا حث النبي – صلى الله عليه وسلم – على قتالهم، وقال: «فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن فى قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة»(4)، «ألا إن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»(5)، مع أنهم يعبدون الله ويصلون الليل ويصومون النهار وتوسمت جباههم من كثرة السجود، لكن ليسوا على فقه ولا علم ولا منهج السلف؛ فلذلك لم تنفعهم عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، قال – صلى الله عليه وسلم -: « يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (6).
هذه فرق ظهرت، وتجزرت في الإسلام، وقد انشقت عنها فرق أخرى وتنوعت حتى بلغت مبلغًا كبيرًا، ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم -: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ على إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فى الجنة وسبعون فى النار، وافترقت النصارى على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وسبعون فى النار، وَوَاحِدَةٌ فى الجنة، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِى على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فى الجنة وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ» قيل يا رسول الله من هم قال: «الْجَمَاعَةُ»(7)، وفي رواية: «ما أنا عليه اليوم وأصحابى»(8).
مذهب أهل السنة والجماعة:
كما مر بنا فإن أمة المسلمين ستفترق إلى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا هذه الفرقة، ولذلك سميت بالفرقة الناجية، يعني الناجية من النار، فسموا «أهل السنة» لأنهم يتبعون سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -، وسموا بالجماعة لأنهم يجتمعون على ولي أمر المسلمين، ويجتمعون مع جماعة المسلمين، ولا يخالفون في أمر يضر المسلمين؛ هؤلاء هم أهل السنة والجماعة، والتي سنعرف – فيما يلي – بأصول مذهبهم، تلك الأصول التي يمشون عليها، لعل الله أن يجعلنا منهم، وأن يجنبنا طريق الفرق الضالة.
الأصل الأول: الإيمان بالله عز وجل:
فيؤمنون بالله الإيمان الصحيح، إذ يؤمنون بتوحيد الربوبية، وبتوحيد الألوهية، وبتوحيد الأسماء والصفات؛ ويؤمنون بالرسل، ويؤمنون بالكتب، ويؤمنون بالبعث، ويؤمنون بالقدر، كما وصفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – لما سأله جبريل: قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتب ورسله وتؤمن باليوم الآخر والقدر خيره وشره»(9)، وهذه هي أصول مذهبهم.
وعندهم أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح؛ ولا يكون الإيمان صحيحا إلا بمجموع هذه الأمور. يؤمنون بكل ما سبق على مقتضى ما جاء في الكتاب والسنة.
ثانيا: من أصولهم اتباع الكتاب والسنة:
لا يستدلون إلا بقال الله، قال رسوله، أو إجماع المسلمين، فلا يستدلون بقواعد المنطق وعلم الكلام وما عليه أهل الضلال، إنما دليلهم الكتاب والسنة، فهُم دائما وأبدًا مع الكتاب والسنة، وإلا كلٌّ يدعي أنه يتبع الكتاب والسنة، لكن الفهمَ الصحيح للكتاب والسنة.
ثالثا: أنهم يحبون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يحبونهم ولا يفرقون بينهم، فيحبون المهاجرين والأنصار، ويحبون أهل البيت، لا يفرقون بين أحد منهم، ويعرفون لأهل البيت حقَّ قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لا يغلون فيهم كما تغلو الشيعة، ولا يقللون من غيرهم، لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، أما الشيعة فإنهم يغلون في أهل البيت، ويجفون في حق الصحابة، ويكفرونهم ويصفونهم بالظلم والطغيان – والعياذ بالله -.
أما أهل السنة فإنهم يحبون صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، لأن الله أثنى عليهم ومدحهم، والرسول – صلى الله عليه وسلم – أوصى بهم وقال: «لا تسبوا أصحابى فوالذى نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»(10)، وقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]، فلا يغتاظ من الصحابة إلا كافر.
والله أثنى علي جميع الصحابة فقال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].
فمن أصول أهل السنة والجماعة: احترام أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم -، والثناء عليهم، والاقتداء بهم، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]، هذا بعد قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، هذا في المهاجرين، وقوله في الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في العقيدة الواسطية: « وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(11).
ثالثا: طاعة ولي أمر المسلمين وعدم الخروج عليه:
وعدم نشر نقائصه، وما عنده من الخلل على الناس في المنتديات، أو في المجالس، أو في الخطابة، أو في الأشرطة، بل إننا نحترم ولاة أمور المسلمين وإن كان عندهم أخطاء؛ فإنهم ولاة أمور المسلمين، وقد أوصى النبي – صلى الله عليه وسلم – بطاعتهم، ونهى عن مخالفتهم والخروج عن عليهم، ونهى عن سبهم وتنقصهم؛ لكن هذا لا يمنع المناصحةَ لهم إذا حصل خللٌ، قال – صلى الله عليه وسلم – : « إن الله يرضى لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بالله جميعا وأن لا تتفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم »(12).
ومن النصيحة لهم بيان الخطأ الذي يقع أو يحصل ليستدركوه، ويكون هذا سرًّا بين الناصح والمنصوح لا فضيحة، وإنما هو سر توصل النصيحة لهم، وهذا من حقهم عليك.
ومن النصيحة لولاة الأمور القيام بالأعمال التي ينيطونها بك، بأن تقوم بالعمل الذي ولاك عليه ولي الأمر ولا تخن فيه ولا تتساهل.
ومن النصيحة لهم الدعاء لهم بالصلاح والاستقامة، قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لجعلتها لسلطان»، لأن صلاح السلطان صلاحٌ للإسلام والمسلمين، وسن الألسنة والأقلام عليهم والتهييج ضدهم هذه طريقة الخوارج، أما أهل السنة فإنهم يحترمون ولاة أمورهم، ويناصحونهم ويدعون لهم، ويتعاونون معهم على البر والتقوى.
رابعًا: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
والاعتماد في ذلك على ما توجبه الشريعة، قال – صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(13). ولا يكون الإنكار بالاعتساف والشدة والغلظة والقسوة؛ بل يكون بالطرق الشرعية التي يزول بها المنكر أو يخف، أما الأسلوب القاسي والمنفر فهذه طريقة المعتزلة، فمن أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن معناه الخروج على ولاة الأمور، فيعتبرون الخروج على ولي الأمر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ضلال والعياذ بالله، لأن الخروج على ولي أمر المسلمين من المنكر، ومن سمات الإنكار لديهم التشدد في القول أو في الفعل، والواجب على المسلم أنه يتلطف مع العاصي وينهاه، ويبين له الحكم الشرعي، ويُسر له سرًّا، ولا يفضحه عند الناس، هذا هو الطريقة قال الله جل وعلا {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125].
ولا بد أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طريقة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فلا يشتد الإنسان في ذلك، ولا يتساهل فيه، وإنما يتبع الطريق الوسط الذي به يزول المنكر أو يخف، وتبرأ به الذمة، وأن يكون على ما جاء به الشرع المطهر، وما أمر الله به، وأمر به رسوله – صلى الله عليه وسلم -.
خامسا: ألا يشاركوا ولي الأمر في مهامه إلا أن يكون مناصحة:
فالأعمال التي يختص بها الإمام ينيطونها به، مثل الجهاد، فالجهاد واجب على المسلمين عند الاستطاعة، وبه يحفظ الدين، وتصان كرامة المسلمين، لكن الجهاد من صلاحيات ولي أمر المسلمين، وهو الذي ينظر فيه، ويأمر به، ويعد العدة له، ويتولاه بنفسه أو يوكل من يقود الجيش أو السرية، كل هذا من صلاحيات ولي الأمر، أما أن يلأخذ كل واحد سلاحَا، ويذهب يفجر ويضرب، ويقول: هذا من الجهاد، لا، هذا كذب على الإسلام، ليس هذا من الجهاد ما لم يأمر أو ياذن به ولي الأمر.
ولهذا يذكر العلماء في كتب العقيدة أن من أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة الجهاد مع الإمام سواء كان برا أو فاجرا، فيتبعون فيه ولي أمر المسلمين، يجاهدون معه، ويدافعون معه عن المسلمين وعن الإسلام، ويد الله على الجماعة، أما الفوضى فهذه لا يقرها الإسلام.
سادسا: النصيحة للمسلمين:
قال – صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»(14)، فالنصيحة مطلوبة، والغش محرم، سواء كان غشا في المعاملة أو في الرأي إذا استشارك، أو بإفشاء سره؛ فهذا خلاف النصيحة.
وقال – صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(15)، قال – عليه الصلاة والسلام -: «من غشنا فليس منا»(16)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «من حمل علينا السلاح فليس منا»(17)، إلى غير ذلك من الأمور.
فالمسلم يكون مع المسلمين، يؤلمه ما يؤلمهم، ويسره ما يسرهم، «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(18)، «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»(19)، والله -جل وعلا- قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].
أسئلة:
فضيلة الشيخ: هل بيان ضلال أهل البدع وأهل الحزبيات ورد باطلهم بالأدلة من إثارة الفتنة؟ وهل السكوت عن باطلهم هو من جمع الكلمة؟
الجواب: هذا يرجع إلى أهل العلم، هم الذين يتولون بيان الأخطاء والرد على المخطئين، وهذا أضمن وأبعد عن الفتنة، فيتولى العلماء الموثوقون بيان الحق والرد على الخطأ، ولا بد من بيان الحق ورد الباطل، ولكن هذا يكون بالطرق العلمية التي لا يقوم بها إلا أهل العلم والبصيرة.
يقول السائل: هناك دعوة قائمة في بعض وسائل الإعلام تدعو إلى تجديد الخطاب الديني فما رأيكم في ذلك وما توجيهكم وما مرادهم وجزاكم الله خيرا؟
الجواب: الخطاب الديني هو الخطاب الذي جاء في الكتاب والسنة من تسمية الناس بأسمائهم، الكافر يسمى كافرًا، والمنافق يسمى منافقًا، والفاسق يسمى فاسقًا، والمؤمن يسمى مؤمنًا، فلا بد من هذا؛ أما أن نغير هذه الأسماء ونقول لا تقولوا كافر، قولوا: غير مسلم، فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، من استرضاء الكفار والمداهنة في دين الله عز وجل. فإن كان هذا هو المراد فهذا لا يجوز وهذا خطر عظيم وتحريف.
أما إذا كان القصد بالخطاب الأسلوب الذي يلقيه الواعظ أو الداعية، فهذا يختلف باختلاف الناس، فيخاطبهم بحسب ما يؤثر عليهم وينفعهم، فأسلوب الداعية وكلامه يختلف، فخطاب الملوك غير خطاب أفراد الناس، وخطاب العلماء غير خطاب الجهال، فيخطاب كلٌّ بما يليق به، فإذا كان هذا هو المراد مما يقوم به الداعية من الدعوة أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر وأن ينزل كل شيء منزلته، فهذا لا بد منه، ولا بد من تهذيبه وضوابطه.
فضيلة الشيخ: ما حكم تهنئة الكفار بمناسبة العام الجديد الميلادي أو الهجري وذلك إظهارًا لسماحة الإسلام؟
لا يجوز تهنئة الكفار بأعيادهم، لأن أعيادهم هي الزور، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72]، جاء في التفسير أن المراد بالزور أعياد الكفار، لأنها أعياد كفرية، لا يقرها الإسلام، فهذا المولد لا يقره الإسلام، والعيد الذي يحتفون فيه بالمسيح ويقولون إنه ابن الله أو ثالث ثلاثة أو هو الله لا يقره الإسلام، لذا لا يجوز تهنئتهم بشيء منه.
فضيلة الشيخ: متى نحكم على الشخص بأنه خرج من أهل السنة والجماعة؟
نحكم عليه بأقواله وأفعاله، مما يظهر لنا، فنحن لا نشق عن القلوب، من أظهر الخير قبلناه، فإذا ظهر منه ما يقتضي خروجه عن مذهب أهل السنة والجماعة من قول أو فعل حكمنا عليه بذلك، إلا إذا كان مكرها أو له عذر، فلا نحكم عليه لوجود العذر.
فضيلة الشيخ: هل من أصول أهل السنة التقارب مع الفرق والمذاهب المختلفة بحجة التيسير والتقارب وجلب المصالح أرجو التبيين وخاصة أن بعض المعاصرين من الدعاة يدعون ويعملون بذلك؟
الجواب: التقارب لا يجوز إلا على الحق، وعلى مذهب أهل السنة والجماعة، أما من خالف فإنه لا تقارب معه إلا في الأمور الدنيوية كالبيع والشراء والاستئجار وما أشبه ذلك، أما أن نتقارب معه وهو مخالف لنا في العقيدة فلا، ولو كان الخلاف في الأمور الفرعية التي هي محل الاجتهاد والنظر فلا بأس، أما إذا كان الاختلاف في العقيدة فلا تقارب بيننا وبينهم، لكن لا يمنع هذا أن نتعامل معهم فيما أباح الله سبحانه وتعالى.
يقول السائل: هنالك من ينتسب إلى الدعوة والدعاة ويصف في شريط له الصحابي الأقرعَ بن حابس بأنه مخبول أو مهبول فما الواجب تجاه ذلك؟
هذا ضلال والعياذ بالله، لا يجوز أن ينتقص أحدا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن لهم فضل الصحبة، والأقرع بن حابس رضي الله عنه عنده فضل الصحبة، فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المزية ليست لأحد بعد الصحابة؛ فلا نتنقص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جملة ولا تفصيلا، بل نحترمهم ونوقرهم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي»(20).
يقول السائل: هل يكفر الخوارج أم ماذا وجزاكم الله خيرا؟
الجواب: ما لك مصلحة في تكفير الخوارج، أو المهم أنك تجتنب مذهب الخوارج وحذر منهم واعرف مذهبهم أما الحكم عليهم بالكفر أو عدم الكفر فهذا ليس لك فيه مصلحة.
يقول السائل: من الدعاة من يقول أن منهج السلف الصالح هو تفريق بين الناس، حيث أن دعاته يقسمون الناس لأقسام شتى، ويتكلمون في أهل الدعوة والصلاح فما قول فضيلتكم؟
الجواب: هذا من دعاة الضلال، وليس من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، فالذي يتكلم على علماء الأمة وسلف الأمة والصحابة والتابعين ويقول إنهم يفرقون بين الناس هذا من الكذب والافتراء على سلف هذه الأمة.
*********************************
(1) أخرجه أحمد (4/126 ، رقم 17184) ، وأبو داود (4/200 ، رقم 4607) ، والترمذى (5/44 ، رقم 2676) وقال : حسن صحيح . وابن ماجه (1/15 ، رقم 42) ، والحاكم (1/174 ، رقم 329) وقال : صحيح ليس له علة . والبيهقى (10/114 ، رقم 20125) . وابن حبان (1/178 ، رقم 5) ، والدارمى (1/57 ، رقم 95) .
(2) أخرجه مسلم (1/36 ، رقم 8) .
(3) أخرجه البخارى (3/1219 ، رقم 3166) ، ومسلم (2/741 ، رقم 1064).
(4) أخرجه البخارى (6/2539 ، رقم 6531) ، ومسلم (2/746 ، رقم 1066) .
(5) أخرجه البخارى (3/1219 ، رقم 3166) ، ومسلم (2/741 ، رقم 1064) .
(6) أخرجه البخارى (3/1321 ، رقم 3414) ، ومسلم (2/744 ، رقم 1064) .
(7) أخرجه ابن ماجه (2/1322 ، رقم 3992) قال البوصيرى (4/179) : هذا إسناد فيه مقال ، راشد بن سعد قال فيه أبو حاتم : صدوق ، وعباد بن يوسف لم يخرج له أحد سوى ابن ماجه . وليس له عنده سوى هذا الحديث . وأخرجه الطبرانى (18/70 ، رقم 129) . والطبرانى فى مسند الشاميين (2/100 ، رقم 988) ، وابن أبى عاصم فى السنة (1/32 ، رقم 63) ، واللالكائى فى اعتقاد أهل السنة (1/101 ، رقم 149) .
(8) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (5/137 ، رقم 4886) ، وفى الصغير (2/29 ، رقم 724) ، قال الهيثمى (1/189) : فيه عبد الله بن سفيان . قال العقيلى : لا يتابع على حديثه هذا وقد ذكره ابن حبان فى الثقات . والضياء (7/277 ، رقم 2733) .
(9) أخرجه مسلم (1/36 ، رقم 8).
(10) أخرجه البخارى (3/1343 ، رقم 3470) ، ومسلم (4/1967 ، رقم 2541).
(11) العقيدة الواسطية (ص: 12).
(12) أخرجه مسلم (3/1340 ، رقم 1715) .
(13) أخرجه مسلم (1/69 ، رقم 49).
(14) أخرجه مسلم (1/74 ، رقم 55).
(15) أخرجه البخارى (1/14 ، رقم 13) ، ومسلم (1/67 ، رقم 45) .
(16) أخرجه مسلم (1/99 ، رقم 101).
(17) أخرجه البخارى (6/2520 ، رقم 6480) ، ومسلم من طريق مالك (1/98 ، رقم 98) .
(18) أخرجه أحمد (4/270 ، رقم 18404) ، ومسلم (4/1999 ، رقم 2586) .
(19) أخرجه البخارى (2/863 ، رقم 2314) ، ومسلم (4/1999 ، رقم 2585).
(20) سبق تخريجه.

نشرت بواسطة:موقع السكينة. 6 أكتوبر

رابط الموضوع : http://www.assakina.com/mohadrat/29906.html#ixzz3MqpZCGcw

الرابط المختصر : http://ssa.gov.sa/00999

نبذة عن الكاتب

صورة الحساب الشخصي لـ معالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان

اترك تعليقك