الجهاد ضوابطه وشروطه

0

• مؤهلاته العلمية:

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مَن بعثه الله رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنِيرًا، ثم أما بعد فإنكم في هذه الليلة تستمعون إلى محاضرة بعنوان: “الجهاد ضوابطه وأحكامه” يلقيها علينا الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وخطيب جامع الأمير متعب بمدينة الرياض فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصح• مؤهلاته العلمية: ابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن موضوعنا الذي سنتكلم فيه هو الجهاد في سبيل الله وضوابطه وأحكامه؛ لأنه موضوع مهم، زَلَّت به أقدام، وضَلَّت فيه أفهام، فلا بد من البيان والإيضاح مهما أمكن، ذلك ليكون الناس على بصيرة وعلى بينة من أمرهم في هذا الموضوع الذي لُبِّس فيه على الناس كثيرًا، أو جَهِله مَن جهله، وجَحَده مَن جَحَده ونفى أن يكون الإسلام قد جاء بالجهاد، إلى غير ذلك من الشبهات والجهالات في هذا الموضوع.

إن الجهاد هو استفراغ الجهد والطاقة لنشر الإسلام والدعوة إليه؛ لأن الله بعث نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وقد قام صلى الله عليه وسلم بما أوجب الله عليه من دعوة البشرية إلى هذا الدين والجهاد في سبيل الله عز وجل لمن عاند وكابر، لأجل أن يأخذ هذا الدين طريقه إلى البشرية، فيهتدي من اهتدى بإذن الله، وتقوم الحجة على من ضل وعاند.

فضل الجهاد في سبيل الله:

إن الجهاد في سبيل الله عز وجل فضله عظيم، وذلك كما أخبر جل وعلا: ﴿لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة النساء : الآية 95-96 ].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»(1 ) إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على الأمر بالجهاد وبيان فضله من الكتاب والسنة.

والجهاد شريعة قديمة جاءت به الأنبياء قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا كليم الله ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام خرج ببني إسرائيل بعدما نجاهم الله من فرعون وجنوده، خرج بهم إلى بيت المقدس ليخلصهم من أيدي الجبابرة الكفار، قال تعالى حكاية على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ العَالَمِينَ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة : الآية 20-21].

لكن بني إسرائيل جبنوا عن قتال الكفار: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة : الآية 22-24]

قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ﴾ [سورة المائدة : الآية 25]، فقال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة : الآية 26] أي: ممنوعون من دخولها، ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ﴾ [سورة المائدة : الآية 26]، عاقبهم الله بالتيه أربعين سنة؛ لأنهم لم يستجيبوا لنبيهم ورسولهم في الجهاد في سبيل الله وتخليص بيت المقدس من أيدي الكفرة؛ لأن الجبن أقعدهم عن ذلك، ثم بعد ذلك قام خليفة موسى يوشع بن نون عليه السلام فقاد بني إسرائيل، قاد من تبقى منهم ومن تربى على الشجاعة في الصحراء فقادهم، ودخل بيت المقدس وفتحه الله على يديه، وخَلَّصه من أيدي الجبابرة، وكذلك الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة : الآية 246] إلى قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سورة البقرة : الآية 251] قتل داودُ – وكان في جندِ طالوتَ – قائدَ الجيش، قتَلَ مَلِكَ الكفرةِ، وانهزم الكُفَّار بسببِ الجهاد في سبيل الله ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة : الآية 251].

انظروا إلى قولهم لنبيهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة : الآية 246]. دل على أن أمر الجهاد يرجع إلى ولي الأمر، ويُطْلَب منه أن يُنْفِذَ الجهاد، ويرتب الجهاد والجنود والجيوش ويوجهها، وليس الجهاد فوضى، كلٌّ يأخذ سلاحه ويقول: أنا أجاهد. بدون قيادة، بدون طاعة ولي أمر المسلمين، هذه فوضى وليست من الجهاد في شيء، وهذا يَجُرُّ على المسلمين شَرًّا كثيرًا، انظر إلى طلبهم من ولي أمرهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة : الآية 246].

والله جل وعلا قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [سورة آل عمران : الآية 146].

قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ﴾ [سورة آل عمران : الآية 146] يعني كثيرًا من الأنبياء، ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [سورة آل عمران : الآية 146] أي: أتباع له من المؤمنين به ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ [سورة آل عمران : الآية 146- 147].

وكذلك سليمان عليه السلام لَمَّا بلغه أن بلقيس تملك قومها، وأنهم يسجدون للشمس من دون الله ويشركون بالله، راسلهم، فأهدوا إليه هدية ليستكشفوا شأنه، هل هو يريد طمعا دنيويا أو هو جادٌّ في القتال، أرسلوا إليه بهدية، فعند ذلك أظهر سليمان عليه السلام القوة والشجاعة ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة النمل : الآية 36- 37].

فالجهاد في سبيل الله شريعة قديمة على ألسن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولَمَّا بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أمره بالجهاد، وذلك بعدما صار في المسلمين قوة واستعداد، أمره الله جل وعلا بالجهاد في سبيله لإعلاء كلمة الله ونشر هذا الدين في الأرض، وتخليص مَن وقع عليهم الذل والقهر، ومنعوا من الدخول في الإسلام.

فالله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، فما هو الغرض؟ هل الغرض هو الاستيلاء على الممالك والتوسع في الملك؟!

لا، هذا أمر تابع، وليس مقصودًا، وإنما المقصود هو إعلاء كلمة الله عز وجل، وإظهار دينه كما في قوله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال : الآية 39] وكما في قوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [سورة التوبة : الآية 14- 16].

فالجهاد أمر قائم إلى أن تقوم الساعة، ماضٍ مع كل إمام من أئمة المسلمين، سواءً كان بَرًّا أو فاجرًا، وهذا من عقيدة المسلمين، فإن في كتب العقائد يقولون: والجهاد ماضٍ مع كل إمامٍ بَرًّا كان أو فاجِرًا، وفي الحديث الشريف: «ثَلاَثَةٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلاَ تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلاَ تُخْرِجْهُ مِنَ الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِىَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ»(2 )

متطلبات الجهاد:

لا بد للجهاد من أمور:

أولاً: الدعوة إلى الله عز وجل.

لا بد أن يسبق الجهاد الدعوة إلى الله عز وجل، فلا يُبْدَأ في القتال قبل الدعوة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام، ويكاتب الملوك ملوك الأرض والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام تمهيدًا للجهاد في سبيل الله، فلا بد من الدعوة أولا إلى الإسلام، تبيلغ الناس هذا الدين وهو الإسلام، فمن قَبِلَه ودخل فيه فالحمد لله، وهذا هو المطلوب، ومن أبى وعاند وكابر بعد الدعوة فليس له إلا الجهاد في سبيل الله.

ثانيًا: التنظيم.

لا بد أن يكون هناك تنظيم للجهاد، وأن يكون بأمرٍ من ولي أمر المسلمين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الذي ينظم الجيوش ويقودها بنفسه، وأحيانًا يخلف عليها قادة من المسلمين، وينظم السرايا، فما كان المسلمون يقاتلون بدون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخلفاء من بعده، والولاة – ولاة أمور المسلمين – هم الذين ينظمون الجهاد في سبيل الله عز وجل، وليس لأحد أن يقاتل تحت راية ولي أمر المسلمين بدون طاعته، هذا هو هدي الإسلام للجهاد في سبيل الله.

ثالثًا: القدرة على القتال.

لا بد أن يكون في المسلمين قوة للقيام بالجهاد في سبيل الله، وأن يكون عندهم استعداد تام له، فإذا لم يكن عندهم قوة ولا استطاعة، فإنه يجب عليهم تأجيله إلى أن تتم القوة والاستطاعة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة قبل الهجرة يُؤْذَوْنَ ويَتَطَاوَلُ عليهم المشركون، والله يأمر نبيه بالعفو والصفح وانتظار أمره سبحانه وتعالى، ولم يأمرهم بالجهاد في هذه الحالة؛ وذلك لضعفهم وعدم استطاعتهم؛ لأن الجهاد يحتاج إلى قوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال : الآية 60].

أما إذا كان المسلمون يجاهدون عدوهم وليس فيهم قوة، فإن هذا يجر عليهم الانتكاسة، فيتسلط عليهم العدو؛ لأنه لا بد أن يكون معهم عُدَّة واستعداد وقوة يجاهدون بها عدوهم من الكافرين الذين يَصُدون عن سبيل الله، ويمنعون الناس من الدخول في الإسلام، وينشرون الكفر في الأرض، ويقاتلون المسلمين، هؤلاء هم الذين يقاتلون من الكفار، أما الذين لا يقاتلون المسلمين ولا ينشرون عقيدتهم، وكفرهم قاصر عليهم، فهؤلاء لا يقاتلون، قال تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة : الآية 8].

كذلك لا يقاتل من كان بينه وبين المسلمين عَهْدٌ، أي الْمُعَاهَد، فهذا لا يقاتل بموجب العهد الذي بينه وبين المسلمين، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [سورة النحل : الآية 91].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»(3 ) وإذا قُتِل المعاهَدُ خَطَأً فقد أوجب الله فيه الكفارةَ والدِّيَة مثل المسلم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [سورة النساء : الآية 92] إلى قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء : الآية 92].

والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام : الآية 151] والنفس التي حرم الله هي نفس المسلم، وكذلك نفس المعاهَد، فقد حرم الله قتله بموجب العهد.

وكذلك لا يُقاتل المستأمَن الذي دخل بلاد المسلمين بإذنٍ من ولي الأمر، أو بإذنٍ من أحد المسلمين لمهمة، مثل معرفة الإسلام والدعوة إليه، أو سماع القرآن، أو أداء عمل يحتاجه المسلمون، أو زيارة، أو سِفَارة(4 ) أو غير ذلك، فهذا مستأمَن لا يجوز الاعتداء عليه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة التوبة : الآية 6].

وكذلك لا يقتل الراهب الذي ترك أذية المسلمين وأقبل على عبادته في صومعته، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، وكذلك لا تقتل المرأة ولا الصبي من المشركين؛ لأن هؤلاء كفرهم قاصر على أنفسهم ولا يتعدى إلى غيرهم، فهؤلاء كلهم لا يجوز للمسلمين أن يقتلوهم أو يقاتلوهم؛ لأنه لا يَتعدى شرهم إلى المسلمين.

الغرض من الجهاد:

إن الغرض من الجهاد في سبيل الله هو إعلاء كلمة الله، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»(5 )، والله جل وعلا قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة : الآية 190] أي: في طاعته ونشر دينه وإعلاء كلمته، فليس الغرض هو التسلط على الناس، أو أخذ أموالهم أو سفك دمائهم، إنما الغرض هو إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى ونشر هذا الدين؛ لأنه دين البشرية الذي ارتضاه الله لخلقه، فجهاد الكفار من صالحهم؛ لأنهم ينقادون لدين الله وبذلك يحقنون دماءهم ويخرجون من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلمة إلى النور، ومن الضلالة إلى الهداية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِى السَّلاَسِلِ»( 6) قوله: يدخلون الجنة في السلاسل. بمعنى أنهم كانوا يقاتلون ثم يؤسرون، ثم يمن الله عليهم بالإسلام فيُسْلِمون فيدخلون الجنة، ولو تركوا على كفرهم لدخلوا النار. فالجهاد فيه مصلحة للكفار؛ لأنه قد يكون سببًا لإسلامهم ودخولهم الجنة، وفيه أيضًا مصلحة للمسلمين وذلك بنشرهم دينَ الله من خلاله، مما يكون سببًا لحصول الأجر والثواب بما ينالونه من التعب والعنت وفي قوله تعالى دلالة على ذلك حيث قال: ﴿وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [سورة النساء : الآية 104].

فالمسلمون يتحملون في الجهاد المتاعب والأخطار لإعلاء كلمة الله وإنقاذ البشرية من الضلال، فليس الغرض من الجهاد سفك الدماء كما يقول أعداء الدين المنفرون منه، وإنما المقصود منه هو مصلحة البشرية لتدخل في دين الله الذي به تسعد في الدنيا والآخرة، هذا هو الجهاد في سبيل الله عز وجل، وهذه بعض أحكامه وضوابطه، وهو من أعظم أصول الإسلام والعقيدة، فيجب أن يُفْهم هذا، لا أن يقال: لا جهاد في الإسلام، فالإسلام دين رحمة ودين تسامح مع الآخرين. نافين بذلك ما أمر الله به من تبليغ الدين من خلاله.

نعم الإسلام دين رحمة وتسامح، لكن لا بد من تبليغ دين الله، فإن حال حائل دون تبليغ رسالة الله فلا بد إذن من الجهاد ومقاتلة أعداء الله الذين يمنعون تبليغ دينه للخلق، فالتسامح والرحمة يجب أن يكونا في موضعهما، فإذا وضع الشيء في غير موضعه انقلب إلى ضده.

قال الشاعر:

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ الْسَّيْفِ بِالْعُلا

مُضِرٌّكَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى

فيجب أن يوضع كل شيء في موضعه، الإسلام دين رحمة ودين تسامح ودين خير، لكن ليس معنى ذلك أن يترك الجهاد، بل الجهاد نفسه رحمة للناس ليخصلهم من الكفر والشرك وجبروت الطواغيت، ويدخلهم في عبادة الله وحده لا شريك له، فكم أثمر جهاد المسلمين في عهد رسول الله وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، لقد أثمر للبشرية من الخير، فقد أنقذ الله به أُمَمًا وأجيالا من الكفر ، ونشأت أجيال فصارت من أئمة الإسلام في العلم ، لقد كانوا من قبل كفارا أشرارا ثم صاروا بعد الجهاد في سبيل الله من خير الناس عِلْمًا وعملا ودينًا وتُقًى، فلو تركوا ولم يجاهدوا لظلوا على شرهم وكفرهم وانتهوا إلى نار جهنم، فهذا هو الجهاد في سبيل الله، وليس الجهاد قتل الأبرياء، أو الاعتداء على المعاهدين والمستأمنين، أو هو فوضى، كُلٌّ يحمل السلاح بدون ضوابط، وبدون طاعة ولي أمر أمر المسلمين، فهذا من الفوضى، وفي هذا سفك للدماء، ولا يترتب عليه فائدة، بل تترتب عليه أضرار عظيمة، وهذا يشوه صورة الإسلام.

إن الجهاد في سبيل الله طريق الدعوة إلى الإسلام، وإذا تم بصورة مخالفة للشرع وبقتل وسفكٍ للدماء واعتداء على الناس، فهذا مما لا شك فيه يشوه صورة الإسلام، ويجعل أعداء الإسلام من الكفار يتخذون من هذا الصنيع الذي يفعله الجهال ذريعة لتشويه صورة الإسلام ويقولون عنه: إن الإسلام دين إرهاب. وذلك لأن الذين حاربوا وقتلوا بهذه الصورةلم يلتزموا بضوابط الجهاد الصحيح، ولو التزموا بضوابط الجهاد الصحيح، لأدى ذلك إلى نشر الإسلام الذي يكون فيه خير للبشرية، والذي هو في الحقيقة رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء : الآية 107].

وكونه رحمة للعالمين لِمَا فيه من إنقاذ البشرية من الهلاك بعذاب الله، وذلك بإخراجها من الظلمات إلى النور، نور الإيمان ونور العلم، وهو سبب في دخول الجنة والنجاة من النار.

وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يعلي كلمته وأن ينصر دينه وأن يرزقنا وإياكم وجميع المسلمين الفقه في دين الله، وأن يقينا وإياكم شر الفتن وأصحاب الفتن والشبهات والضلالات، اللهم أرنا الحق حَقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، اللهم أصلح ولاة أمورنا، واجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم أصلح بطانتهم وجلساءهم ومستشاريهم ومَن حولهم، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء والمفسدين، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين في كل مكان، الله وَلِّ علينا خيارنا، واكفنا شر شرارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا لا علينا، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أسئلة:

سؤال:إذا هاجم العدو أي بلد إسلامي هل يُشْتَرط لجهاد الدفع راية وإمام، أم كلٌّ يجاهد بنفسه دون نفسه وماله وعرضه؟

جواب:إذا دهم المسلمين عدوٌّ مُبَاغِتٌ يخافون مِن سطوته ولا يمكنهم مراجعة الإمام، فإنهم يجاهدونه؛ لأنهم في حكم المأذون لهم في هذه الحالة؛ لأن هذه حالة ضرورة، فيجاهدونه بما يكف شره، أما إذا كان يمكن مراجعة الإمام ومراسلة الإمام، فلا يجوز لهم أن يجاهدوا إلا بإذنه.

سؤال: من الناس مَن يقول: إن وجود السفارات لدول غير مسلمة في بلاد المسلمين يعتبر موالاةً ومظاهرةً لهم، ويحصل به الكفر، فما رأي سماحتكم في ذلك؟

جواب:هذا كلام باطل وكلام من جاهل، فالسفارات والمراسلات بين ولي الأمر وبين الدول كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان المشركون ورسلهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

الرابط المختصر : http://ssa.gov.sa/96132

نبذة عن الكاتب

صورة الحساب الشخصي لـ معالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان

اترك تعليقك