التصدي لدعوات التكفير والخروج على الحاكم المسلم

0

مقدمة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد بن عبد الله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، أما بعد:

نشأة دعوات التكفير والخروج على الحكام

موضوع البحث ” التصدي لدعوات التكفير والخروج على الحاكم ”

ابتلي المسلمون منذ عهد الإمام علي – رضي الله عنه – بمن يزلزل جماعتهم، ويفرق كلمتهم، ويسعى جاهدًا لإضعاف شأنهم، إما متأولا، وإما حاقدًا، وقد كان السلف الأول يحرصون على الجماعة، ويلزمون اجتماع الكلمة، ويبتعدون عن الخلاف لعلمهم بأنه شر، متمسكين بهدي النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي حض على لزوم الجماعة، وحذر من الفتنة والفرقة.

وكانت بدايات هذا التفرق دعوات توجه إلى حاكم المسلمين، وافتراءات تصفه بالخروج عن الجادة، وتتهمه بالبعد عن الحق، وتطور هذا الأمر إلى الحكم بكفره، وأنه خارج من الملة حقه القتل في الدنيا والنار في الآخرة، وقد وصل هذا الأمر بالخوارج إلى أن كفروا عليًّا – رضي الله عنه -، ورأوا أن قاتله من أبر الناس وأزكاهم، وأنه في الآخرة من أعلاهم درجة، حتى قال عمران بن حطان – وهو من زعمائهم – يصف عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي- لعنه الله -:

يا ضربة من تقي ما أراد بها   إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكر يومي فأحسبه     أوفى البرية عند الله ميزانا

يظنه أَوْفَى البرية عند الله ميزانا.

هذه الظاهرة نشأت وامتدت يُزَكِّيها الشيطان، ويساعد على انتشارها ويروج لجعلها من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، وقد كان السلف الصالح – رضي الله عنهم – يحفظون ألسنتهم، وكانوا يحفظون دينهم، كانوا يتهربون من القضاء، ويتدافعون الفتيا، ثم نشأت ناشئة من المسلمين أصبحت تتسابق إلى تكفير الناس، ويتمنون الحكم عليهم بالردة، ووصولهم إلى النار في الآخرة، واستحقاقهم للقتل في الدنيا.

دعوات التكفير التي ابتلي بها المسلمون في هذا العصر قائمة على قدم وساق، يُغَذِّيها أعداء الإسلام، ويقوم بها أناس ينتسبون إلى هذا الدين، ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعا، يظنون أن دينهم لا يكمل إلا إذا كفروا حكامًا وعلماء استهدفوهم، بل وصل ببعضهم إلى تكفير قرابتهم.

خطورة التكفير

إن تكفير المسلمين من أكبر الكبائر، وهو ذنب عظيم جعل الله عقوبته أن يرجع على صاحبه، روى عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافرُ. فقد باء بها أحدُهما إن كان كافرًا، وإلا رجعتْ عليه» (1)، يعني لا بد أن تكون في واحد من القائل أو المقول له، إن كان المقول له كافر توجهت إليه، وإن كان ليس بكافر رجعت إلى قائلها، ومعناه أن هذا الذنب العظيم ذنب يخرج صاحبه إلى الكفر.

وحديث أبي قلابة عن ثابت الضحاك عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ»(2) يعني: إذا قال أنا يهودي أني فعلت كذا، وهو كاذب، فهو يهودي.

وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3) هذا يعني المنتحر يعذبه الله تعالى يوم القيامة بما عذب به نفسه في الدنيا.

وقال – صلى الله عليه وسلم -: «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» لعن المؤمن: أن يطلب الإنسان طرده من رحمة الله.

يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ» رواه البخاري(4)، فهو في الذين يكفرون الناس، أو يجعلونهم منافقين، والقتل ماذا قال الله فيه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء:93].

إن مسألة التكفير من أعظم المسائل، وأشدها حرجا وضيقا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: ” اعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ ” الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ ” الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهَا الْمُوَالَاةُ، وَالْمُعَادَاةُ، وَالْقَتْلُ، وَالْعِصْمَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اللَّهَ – سُبْحَانَهُ – أَوْجَبَ الْجَنَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَحَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَهَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ ” (5).

ويقول الإمام الشوكاني – رحمه الله – ” اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر، لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم – ” أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ” (6)

ويقول ابن الوزير في ” العواصم والقواصم “: ” إن التكفير سمعي محض، لا دخل للعقل فيه ” (7) يعني لا بد فيه من أدلة سمعية، ليس متروكا للمزاج، وأن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيا قطعيا، ولا نزاع في ذلك.

تكفير المعين

أما تكفير المعين: فإن أهل السنة لا يكفرون المسلم المعين، ولا يخرجونه من الدين إلا بدليل واضح، وإنما يكفرون من كفرهم الله ورسوله، فإن الله تعالى قد كفر في كتابه الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة من النصارى، والذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وكفر المجوس والذين قالوا: نحن أبناء الله وأحبائه، فيكفرهم أهل السنة والجماعة، أما الشخص المعين المسلم، فإن أهل السنة لا يشهدون أنه من أهل الوعيد، ولا أنه كافر لا يشهدون عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، لأن ذلك من أعظم البغي أن يشهدوا على معين أن الله لا يغفر له، أو أن الله تعالى سيدخله النار، وإنما يعلم الخواتيم رب العالمين، ولا يطلع على الغيب إلا الله، ولذلك فإنهم يطهرون أنفسهم من الحكم على معين بكفر إلا إذا قام الدليل عليه، وشهد عليه الأئمة الأعلام أهل الاجتهاد من العلماء الراسخين الذين يعرفون شروط تكفير المعين، ويعرفون موانع التكفير.

روى أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. (8) ضيق – رحمة الله – وتألى على الله، كما ورد في الحديث الآخر: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»(9).

الخروج على الحكام

وأما الخروج على الحاكم فإنه ثمرة من ثمار التكفير، ولذلك فإن الخوارج إنما خرجوا على الإمام علي – رضي الله عنه -بعد أن كفروه، لما كفروا عليًّا خرجوا عليه واستباحوا دمه.

أقوال أهل العلم في الخروج على الحكام:

وقد أجمع العلماء على أن الإمام إذا كان عدلًا مستقيمًا في أحواله وأحوال الأمة وجبت طاعته، وحَرُمَ الخروج عليه، ودليل ذلك قول الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]

وأما إذا ارتكب الإمام شيئا من المعاصي التي يفسق بها، كما لو كان جائرًا في حكمه أو ظالمًا، فمذهب أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز الخروج عليه أيضا، وأنه يلزم طاعته لأن الخروج عليه شر يترتب عليه شرور أعظم من المعاصي التي يرتكبها، قال الإمام النووي – رحمه الله -: ” وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ ” (10).

وروى اللالكائي عن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ , وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ , وَمَا يَعْتَقِدَانِ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَا: ” أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ حِجَازًا وَعِرَاقًا وَشَامًا وَيَمَنًا، فَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ , يَزِيدُ وَيَنْقُصُ , وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بِجَمِيعِ جِهَاتِهِ , وَالْقَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنَ اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – , وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ , ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ , ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ , ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ – عَلَيْهِمُ السَّلَامُ – , وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ , وَأَنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَشَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَوْلُهُ الْحَقُّ , وَالتَّرَحُّمُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَالْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.

وَأَنَّ اللَّهَ – عَزَّ وَجَلَّ – عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ , وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِلَا كَيْفٍ , أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11].

وَأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُرَى فِي الْآخِرَةِ , يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِأَبْصَارِهِمْ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ.

وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَهُمَا مَخْلُوقَانِ لَا يَفْنَيَانِ أَبَدًا , وَالْجَنَّةُ ثَوَابٌ لِأَوْلِيَائِهِ , وَالنَّارُ عِقَابٌ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -.

وَالصِّرَاطُ حَقٌّ , وَالْمِيزَانُ حَقٌّ , لَهُ كِفَّتَانِ , تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا حَقٌّ.

وَالْحَوْضُ الْمُكْرَمُ بِهِ نَبِيُّنَا حَقٌّ. وَالشَّفَاعَةُ حَقٌّ , وَالْبَعْثُ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ حَقٌّ.

وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ-. وَلَا نُكَفِّرُ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِذُنُوبِهِمْ , وَنَكِلُ أَسْرَارَهُمْ إِلَى اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ -.

وَنُقِيمُ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ مَعَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانٍ.

وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ , وَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – أَمْرَنَا وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ , وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ , وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ. (11)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: ” مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ وَتَرْكُ قِتَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ – كَالْمُعْتَزِلَةِ – فَيَرَوْنَ الْقِتَالَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَيَجْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَ دِينِهِمْ ” (12)

وقال أيضا: ” وَلِهَذَا كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَقِتَالَهُمْ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ظُلْمٌ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الْحَاصِلِ بِظُلْمِهِمْ بِدُونِ قِتَالٍ وَلَا فِتْنَةٍ، فَلَا يُدْفَعُ أَعْظَمُ الْفَسَادَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا، وَلَعَلَّهُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ طَائِفَةً خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ، إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ.

وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ كُلِّ ظَالِمٍ وَكُلِّ بَاغٍ كَيْفَمَا كَانَ، وَلَا أَمَرَ بِقِتَالِ الْبَاغِينَ ابْتِدَاءً بَلْ قَالَ: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا} [الحجرات:9] فَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ، ابْتِدَاءً، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقِتَالِ وُلَاةِ الْأَمْرِ ابْتِدَاءً ؟ “. (13)

وقال الإمام الشوكاني: ” وقد قدمنا أنها قد تواترت الأحاديث في النهي عن الخروج على الأئمة ما لم يظهر منهم الكفر البواح، أو يتركوا الصلاة، فإذا لم يظهر من الإمام الأول أحد الأمرين، لم يجز الخروج عليه، وإن بلغ في الظلم أي مبلغ لكنه يجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الاستطاعة، وتجب طاعته إلا في معصية الله – سبحانه -، وقد ثبت في الصحيح، عنه – صلى الله عليه وسلم – الأمر بقتل الإمام الآخر الذي جاء ينازع الإمام الأول، وكفى بهذا زاجرًا وواعظًا “.(14)

وقد روى أبو بكر الخلال عن أبي حارث قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي أَمْرٍ كَانَ حَدَثَ بِبَغْدَادَ، وَهَمَّ قَوْمٌ بِالْخُرُوجِ، فَقُلْتُ: ” يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي الْخُرُوجِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، الدِّمَاءَ، الدِّمَاءَ، لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَا آمُرُ بِهِ، الصَّبْرُ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْفِتْنَةِ يُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَيُسْتَبَاحُ فِيهَا الْأَمْوَالُ، وَيُنْتَهَكُ فِيهَا الْمَحَارِمُ، أَمَا عَلِمْتَ مَا كَانَ النَّاسُ فِيهِ، يَعْنِي أَيَّامَ الْفِتْنَةِ، قُلْتُ: وَالنَّاسُ الْيَوْمَ، أَلَيْسَ هُمْ فِي فِتْنَةٍ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ، فَإِنَّمَا هِيَ فِتْنَةٌ خَاصَّةٌ، فَإِذَا وَقَعَ السَّيْفُ عَمَّتِ الْفِتْنَةُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، الصَّبْرَ عَلَى هَذَا، وَيَسْلَمُ لَكَ دِينُكَ خَيْرٌ لَكَ، وَرَأَيْتُهُ يُنْكِرُ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ: الدِّمَاءَ، لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَا آمُرُ بِهِ “.(15)

الأمر بلزوم الطاعة والصبر على الأئمة:

مع أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – التي تبين لزوم الطاعة، والصبر على الأئمة، والحرص على وحدة الأمة، ولزوم جماعة المسلمين.

الحديث الأول: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل يبايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه، فأخذها، ولم يعط بها» (16) رجل يبايع من أجل المال، مثل ما قال الله في المنافقين والزكاة: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة:58] فالبيعة عندهم مربوطة بالنوال والمحبة والثناء، إن أعطوا رضوا وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون، والرجل الثالث: «رجل يبايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يعط بها» ما أكثر الذين ينفقون سلعهم بالحلف الكاذب، يحلفون لقد اشتروها بكذا، أو لقد اعطوا فيها كذا، أو أنها من مصدرها كذا، أو أنها مضمونة لكذا، وكل ذلك مما يروجون به الدنيا الخسيسة، فلا يجدون سبيلا لترويجها إلا بالحلف برب العالمين، بالحلف العظيم الذي يتقاصر كل شيء عند عظمته، يجعله هؤلاء وسيلة من وسائل تسويق بضاعتهم الكاذبة.

قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري: ” في هذا الحديث وعيد شديد في الخروج على الأئمة، ونكث بيعتهم لأمر الله بالوفاء بالعقود، إذ في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج، والأموال، وحقن الدماء، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتيت الألفة. وفيه: فساد الأعمال إذا لم يرد بها وجه الله، وأريد بها عرض الدنيا “. (17)

الحديث الثاني: عن ابن عباس – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية» (18)، يعني مات على الجاهلية، نسأل الله العافية السلامة، لأنه ترك لزوم الجماعة، وأراد الفرقة، وسعى إليها، وعمل الأسباب التي يشذ بها عن الجماعة التي أمر الله بالمحافظة عليها.

الحديث الثالث: عن عوف بن مالك – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» (19) اكرهوا عمله والزموا طاعته «لا تنزعوا يدًا من طاعة» يعني: فتسببوا الفرقة وتفرقوا اجتماع الأمة، وتكونون سببا لضعفها وتشتتها وتفرق شملها، وهمت أعدائها بها مثل ما قال الله: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46].

الحديث الرابع: عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – وهو مريض، فقلنا له: حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به، سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال عبادة: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ»، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» رواه البخاري ومسلم (20).

قال ابن بطال – رحمه الله – في شرح ذلك: ” فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة، وألا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام ويظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة لمخلوق عليه، قال الخطابي – رحمه الله -: معنى ” بواحا “: يريد ظاهرًا باديًا، ومنه باح الإنسان بسره إذا أذاعه وأظهره “.(21)

الحديث الخامس: عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا» رواه مسلم (22) يعني: ما أقاموا الصلاة، والحمد لله في هذا البلد الصلاة قائمة، والعدل موجود، والظلم مرفوع، والإنسان مأمور بأن يطلب حقه، وأن يدفع عن نفسه الظلم ضد كائن من كان، القضاء فوق الناس وسلطته فوق كل أحد، والشريعة محكمة، والقائل بها مرفوع الرأس، وهي مُدَّرَّسَةٌ في مناهج التعليم، وفي مساجد المسلمين، وفي وسائل الإعلام، ويمتدح الحكام وفقهم الله بالعمل.

وسائل الوقاية من دعوات التكفير والخروج

ما هي وسائل الوقاية من دعوات التكفير والخروج على الحاكم ؟

1- تربية الأولاد على المنهج المستقيم:

إن من أعظم وسائل الوقاية الحرص على تربية الأولاد أن نربيهم على المنهج المستقيم، ومحبة العلماء والحكام الصالحين، وأن نغرس في قلوبهم محبة لزوم الجماعة، وأن نبين لهم الآثار السيئة للفرقة، والفتن التي أثمرتها الفرقة والاختلاف، وضعف جماعة المسلمين، وتربية الأولاد على محبة الجماعة وتعظيمها والانضمام حولها، والحذر الشديد من الذين يبثون الفرقة، ويشغلون مجالسهم بسب العلماء والحكام، وجمع العيوب وتكبيرها، والكذب فيها ونفخها فإن هؤلاء يشحنون الناس حتى يوصلوهم إلى الخروج على الأئمة، ونزع يد الطاعة، والبحث عن الجنة في طرق النار، نسأل الله العافية والسلامة.

2- تعظيم أمر جماعة المسلمين:

إن من وسائل الوقاية: تعظيم أمر جماعة المسلمين، وتعظيم الحث على لزومها، وينبغي أن يكون ذلك شأن الخطباء والدعاة إلى الله في وسائل الإعلام المختلفة، وأن يَحْذَرُوا أشد الحذر من الفرقة والاختلاف في الكلام، فإن الاختلاف في الكلام يورث الاختلاف في الأبدان، قال الله تعالى عن أهل الكتاب: {وَمَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ} [البينة:4].

وسائل التصدي للفكر المنحرف

1- المجادلة بالحسنى لبيان الحق:

أما عن وسائل التصدي لهذا الفكر الخبيث الذي نشأ في المجتمع المسلم فأولها:

المجادلة بالحسنى لبيان الحق، مثل ما فعل عليٌّ – رضي الله عنه – مع الخوارج الذين خرجوا عليه حين استدلوا بالقرآن وبسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – على ما ذهبوا إليه من الظلم والجور، فقد أرسل علي – رضي الله عنه – ابن عمه ابن عباس – رضي الله عنهما – إليهم فجادلهم، روى أئمة السنة أن عليا – رضي الله عنه – بعد أن خرج عليه الخوارج أرسل إليهم ابن عباس، فلما وصل إليهم قال لهم: ” أَخْبِرُونِي مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَصِهْرِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ؟ قَالُوا: ثَلَاثًا. قُلْتُ: مَا هُنَّ ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ: فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [ سورة الأنعام:57] وَمَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلْحَكَمِ ؟ فَقُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَأَمَّا الْأُخْرَى: فَإِنَّهُ قَاتَلَ، وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانَ الَّذِي قَاتَلَ كُفَّارًا لَقَدْ حَلَّ سَبْيُهُمْ وَغَنِيمَتُهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ. قُلْتُ: هَذِهِ اثْنَتَانِ، فَمَا الثَّالِثَةُ ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ. قُلْتُ: أَعِنْدَكُمْ سِوَى هَذَا ؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا. فَقُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَمِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُكُمْ أَتَرْضَوْنَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ مَا قَدْ رَدَّ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ فِي أَرْنَبٍ، وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95] إِلَى قَوْلِهِ:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة:95] فَنَشَدْتُكُمُ اللَّهَ، أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي أَرْنَبٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّيْدِ أَفْضَلُ، أَمْ حُكْمُهُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ ؟ وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَحَكَمَ وَلَمْ يُصَيِّرْ ذَلِكَ إِلَى الرِّجَالِ، وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا قَالَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35]، فَجَعَلَ اللَّهُ حُكْمَ الرِّجَالِ سُنَّةً مَأْمُونَةً، أَخَرَجْتُ عَنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ غَيْرِهَا ؟ فَلَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ وَهِيَ أُمُّكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أَمَّنَا لَقَدْ كَفَرْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6]، فَأَنْتُمْ تَدُورُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ أَيُّهُمَا صِرْتُمْ إِلَيْهَا، صِرْتُمْ إِلَى ضَلَالَةٍ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قُلْتُ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا اسْمَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ وَأُرِيكُمْ، قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَاتَبَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: «اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، لَوْ نَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» فَوَاللَّهِ لَرَسُولُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَمَا أَخْرَجَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ حِينَ مَحَا نَفْسَهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعَ مِنَ الْقَوْمِ أَلْفَانِ، وَقُتِلَ سَائِرُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ ” (23).

فوسيلة المجادلة بالحسنى، وبيان الحق، هذا منهج سلكته بحمد الله تعالى هذه الدولة في لجان المناصحة، المقبوض عليهم الآن يذهب إليهم المشايخ، ويجلسون معهم، ويناقشونهم، ويبينوا لهم بعض ما يجدونه من اللبس والشُّبَهِ.

انظروا وتأملوا كيف ناقش الإسلام نصارى نجران، في أول سورة آل عمران أثنى على خيار النصارى المؤمنين بالله واليوم الآخر {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ} [آل عمران:33] ثم أثنى على مريم {وَإِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: الآيتان 42- 43]

فالإسلام دين العدل، دين المجادلة بالحسنى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، إننا إذا تأملنا آيات القرآن، ومناقشات القرآن نجد أن القرآن يتنزل في بعض المناقشات إلى ما يأخذ به خاطر المدعو قال تعالى:{لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ:25]، ينسب الإجرام إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – وإلى المؤمنين، ويقول الله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [سبأ:24]، هل النبي – صلى الله عليه وسلم – في شك ؟ لا والله، وإنما هذا التنزل في الدعوة والرفق في الدعوة، ولهذا يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (24) ، وبَيَّنَ – صلى الله عليه وسلم – أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.

2- إتاحة المجال للعلماء للقيام بواجب الدعوة:

ومن وسائل التصدي لهذا الفكر الخبيث: إتاحة المجال للعلماء للقيام بواجب الدعوة والاصلاح في وسائل الإعلام المختلفة، وعلى منابر الجمعة، وفي المحاضرات، فإن له أثرًا عظيمًا في ردع كثير من الشباب الذين غُرِّرَ بهم، والذين كانوا في وقت من الأوقات يظنون أنهم لن يصلوا إلى الجنة، ولن يقربوا من محمد – صلى الله عليه وسلم – في الدار الآخرة إلا إذا كفروا المسلمين، وحملوا السلاح عليهم، فأعلنوا خطأهم بالجلوس إلى هؤلاء العلماء ومناقشتهم وسماع محاضراتهم، وذهب وزال كثير من اللبس.

3- التعاون على البر والتقوى:

إن من وسائل التصدي لهذا الأمر : أن يكون المسلمون يدًا واحدة يتعاونون على البر والتقوى، فإذا علموا من ينشر الفكر الفاسد وينقله للشباب فيجب عليهم أن يخبروا عنه، وأن يبلغوا، فإن إدراك الشر في أوله قبل أن يستفحل خير للمسلمين من أن يصل إلى نهايته، فإذا رأى أحدنا من قريبه فكرًا منحرفًا يناقشه، أو يأخذه إلى بعض العلماء الصالحين فيجلس به إليهم ويناقشونه، ويبين له ما وصل إليه من الخطأ، فإن استفاد فبها ونعمة، والحمد لله، وإلا فإن عليه أن يبلغ الجهات الأمنية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.

كلمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للمكلة ورئيس هيئة كبار العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

التكفير لا يكون إلا بمقتضى شرعي

إن قضية التكفير وإقدام البعض عليه بلا روية ولا علم والخروج على الأئمة، وشق عصى الطاعة، كل هذا خطر عظيم وشر كبير، إن قضايا التكفير من القضايا الخطيرة التي لا يقدم عليها الإنسان إلا عن علم وبصيرة، وكلما قوي العلم، وعظم الفهم، واتسعت المدارك تأنى المسلم في الحكم على الغير بالكفر.

إن التكفير وإطلاقه يأتي من قلة علم، وضعف بصيرة، وقلة تصور للأشياء، إن الإسلام دين الحق، من دخل فيه قانعًا به شهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والتزم الأركان، والواجبات، ودان لله بالإسلام، فلا يجوز الحكم عليه بضد ذلك إلا بمقتضى شرعي، إما ردة عن الإسلام والعياذ بالله أو إنكار لركن من أركانه، أو استحلال حرام أجمعت الأمة على تحريمه.

التأني في مسائل التكفير

إن الله كفر من كفر في كتابه، فكفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة:73] {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:17]، كفر الله من خالف الحق وأبى عن الانقياد لله ورسوله، ولكن من التزم الإسلام فإنا لا نكفره إلا بمقتضى شرعي، والتأويل أحيانا يكون سببًا في عدم التكفير، لأن الإنسان قد يعرض له تأويل يظنه أنه حق، والواقع أنه ليس بحق، فلهذا يتأنى في الأمور ويتروى في الأمور، ولا يقدم على هذه الأشياء إلا ذو علم وبصيرة، بعدما يستوفي الشروط، ولذا عمر – رضي الله عنه – لما بلغه أن رجل قتل في قول قاله، قال: هل ناقشتموه ؟ هل استتبتموه ؟ فقالوا: لا. فقال: اللهم إني أبرأ إليكم مما فعلوا.

الجهل من أسباب انتشار التكفير

إن الذي يتكلم بعلم، ويفتي بعلم، هذا في الغالب يسلم من هذه الترهات، إنما الجهل، وقلة العلم، وضعف البصيرة تؤدي بالإنسان إلى أن يقول ما لا يعلم، ولذا قال الله {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل:116] وقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء:36].

التثبت قبل الحكم

إن الله قد أمرنا بالتثبت في الحكم على الأقوال بعد العلم بحقيقة ما قالوا فقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6]، فمن تكلم بلا علم ندم وأساء، وتصور تصورًا خاطئا، ولا شك أن التكفير في هذه الأمة نشأ بعدما بَعُدَ الناس عن المنهج النبوي بعض الشيء، ولهذا ناقش عمرُ – رضي الله عنه – الصديقَ لما أراد قتال مانع الزكاة، وقال له: إن النبي يقول: «كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ “، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ» (25)، فهنا اتضح لعمر ما أشكل عليه، والصديق وَضَّحَ الأمر له، واتفق المسلمون على قتال أهل الردة.

نشأة التكفير والخروج على الحكام

نشأ في آخر عهد عثمان فئة من الناس زاغت قلوبهم، صغار حدثاء الأسنان مع قلة العلم والمعرفة، لم يثقوا بالصحابة وعلومهم، انخدعوا بأنفسهم، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فأضلهم عن سواء السبيل، فنقموا على أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عنه – أشياء كانوا فيها مخطئين، وكان النقد أيضا فيها خطأ، إما خطأ في حكمهم لأنه لا أصل لها، ولأنها أمور محتملة، ولا يمكن أن تصل إلى ما وصل الأمر إليه، لكنها نَقْلٌ خاطئ وفهم سيء، وقلة إيمان وورع، حتى استباحوا قتل أمير المؤمنين ظلما وعدوانا، فوقع المسلمون في دمائهم، وسل السيف بينهم، وفقد المسلمون الآلاف بأسباب هذه الأكاذيب، وهذه الأراجيف.

إن الخوارج – لعنهم الله – الذين أخبر النبي عن حالهم: «يحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تَراقِيَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (26) طبقوا آيات الوعيد على أهل الإسلام، وضربوا نصوص القرآن بعضها بعض، ولم يفهموا عن الله مراده، فكفروا عليًّا – رضي الله عنه -، وعثمان، وطلحة، والزبير، وحكموا على الصحابة بالكفر بمجرد ما يزعمون أنهم أخطأوا، فمن أخطأ كفر، ومن كفر استبيح دمه وماله، فعاثوا في الأرض فسادًا، وعانى المسلمون منهم في القرن الأول والثاني، وما نقل عنهم أنهم لزموا ثغرًا من ثغور الإسلام، أو أن راياتهم قاتلت عن الإسلام، إنما كانت سيوفهم على أهل القبلة فقط، لم يجاهدوا في سبيل الله، ولم يحموا ثغور الإسلام، وإنما جعلوا سهامهم على أهل الإسلام، وعلى المصلين الصائمين، فترتب على هذا قضية الخروج على الأئمة.

وجوب تنصيب ولي أمر

إن الله – جل وعلا – أمرنا بأن ننصب خليفة، وأن يكون للمسلمين قيادة تحمي دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتنشر عدل الله فيهم، وترفع عنهم الظلم والعدوان، وتثبت دعائم الأمن، وتقيم الحدود، وتنفذ الشرع، وهذه وظيفة حكام الإسلام، نسأل الله أن يثبتهم على الحق، وأن يرزقهم الاستقامة عليه.

طاعة ولي الأمر

فولاة الأمر واجب السمع لهم والطاعة في المعروف، وشد أزرهم، والوقوف معهم، وألا نصغي إلى من ينتقد الأخطاء، لا يسلم أحد منها، ومهما بذل الإنسان من جهد فلابد من خطأ، ومن يعمل فلا بد أن يخطئ، أما من لا يعمل فلا نعلم حاله، فمن يعمل فهو مجتهد، وكلنا خطاء وخير الخطائين التوابون، لكن ولاة الأمر لهم من الفضائل والمحاسن ما الله به عليم.

النهي عن الخروج على الحكام

إن أئمة الإسلام منعوا الأمة من الخروج على الأئمة، وبينوا لهم ما في الخروج من الأضرار والمساوئ، من سفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض، والسعي في الأرض فسادًا، وأن ما يحصل من إمام فأمور محدودة وشر قاصر، لكن الخروج يترتب عليه الشرور العظيمة، والمفاسد الكبيرة.

تربص الأعداء بأمة الإسلام

إن أعداء الإسلام يفرحون أن بلاد الإسلام مسرح للأحداث والتجارب العسكرية، وأنواع الأسلحة الفتاكة ليدمروا المسلمين بعضهم بعضًا، فالمسلمون لا بد أن يعودوا إلى رشدهم، وينتبهوا من غفلتهم، ويغلبوا المصالح العامة على الأغراض الشخصية.

هذا البلد المبارك وحكومته المباركة – نسأل الله أن يثبتهم على الحق، وأن يقويهم، ويثبت أقدامهم، ويمدهم بعونه، وتوفيقه، وتأييده – هم – ولله الفضل والمنة – من خيرة الموجودين، هم على ثغر من ثغور الإسلام، يدافعون عن هذا البلد، ويكافحون عنه، ويسهرون الليل والنهار دفاعا عن الأمة، وعن أمنها، وعن خيراتها متحملين كل المشاق في ذلك، نسأل الله أن يمدهم بعونه وتوفيقه.

وصلي الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الأسئلة

سماحة الشيخ، يقول السائل: أحسن الله إليكم بعض الجماعات الإسلامية التي ظهرت تدعي أن الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله كافر، ويجوز الخروج عليه من باب تغيير المنكر، مع العلم أن هذا الحاكم لا يمنع إقامة الصلاة، ولا العبادات الأخرى كالزكاة والصوم، ولكن يعزل السياسة عن الدين، فما رأي سماحتكم في قولهم.

إن الأمور تحتاج إلى تأمل، وبعض الناس ربما يحكم بما لا يعلم، لا شك أن حكام المسلمين – ولله الحمد – أحكامهم وسياستهم على وفق الشريعة إن شاء الله، ففي بلادنا تحكم شريعة الإسلام، وتقام الحدود، والمحاكم كلها عندنا شرعية – ولله الفضل والمنة – نحن في بلادنا – ولله الحمد – شعائر الإسلام ظاهرة، ودين الله ظاهر، ونسأل الله أن يثبت الحق، لا ندعي العصمة والكمال، لكننا ولله الحمد نعيش في ظل حكومة تحكم شرع الله، وتقيم دين الله، نسأل الله أن يوفقهم للصواب.

إن الخروج على الأئمة لا يؤدي إلى خير، في هذه العصور الأعداء يحرصون على التفريق بين الشعوب وقيادتها، لأنهم يريدون ضرب الناس بعضهم ببعض، فلا تظنوا أن هذا الخروج كثير منه جاء نابع من أفكار أولئك، لا هذا الخروج وهذا التمرد ترى مصدره أعداء الإسلام، فهم لا يرضون ولا يرتاحون والناس في أمن، يريدون أن يفرقوا بين القيادة وبين الشعوب، بين الناس بعضهم البعض، لأن هدفهم التفريق حتى يتسلطوا على الجميع عافانا الله وإياكم.

سماحة الشيخ، يقول السائل: كثيرًا ما نسمع: من لم يكفر الكافر فهو كافر، فما حكم، وما معنى، وما شروط تكفير المعين ؟ وجزاكم الله خيرًا.

إن مقولة: ” من لم يكفر الكافر فهو كافر ” على إطلاق لا يصلح، مثلا فلان كفر شخصا، هل يلزم من تكفير فلان له أن أكفره أنا، لا أكفره إلا بما يظهر لي، أما أن أقلد غيري وأقول فلان كَفَّر فَأُكَفِّرُ لا، إن كان تكفيره هذا مبنيا على أدلة قطعية من الكتاب والسنة فنعم، وأيضا اختلافي وإياه لا يكون تكفيرًا لي، قد أخالفه في أن المعلومات أو الحيثيات التي وصلت إليه لا أقتنع بها، فإذا ما اقتنعت بكلامه هل أكون كافرًا، لا و قد يطلق هذه الكلمة مقتنعا ببعض الشيء، وأنا لم يظهر لي القناعة بما قال.

أما إذا كان الأمر نصًّا من الكتاب والسنة، شخص يقول: الصلاة غير مفروضة، والزكاة غير مفروضة، هذا لا أشك في كفره، والذي لا يكفره كافر، لكن القضايا المحتملة والأمور التي يدخلها الاجتهاد لا يلزم من حكم غيري أن أقبله، ولا يحكم لي بضد ذلك إذا لم أكن مقتنعا بما قال.

سماحة الشيخ، يقول السائل: من يكفر الحكام بحجة أن الحدود معطلة والشريعة مبدلة، فهل من كلمة توجيهية لهم ونصيحة ؟ وجزاكم الله خيرًا.

إذا أراد الإنسان سلامة دينه لا يدخل فيما لا يعنيه، إن كان عنده علم وجهه لمن ينتفع به وأوصل الحق إليهم، أما التكفير وجعله هو الغاية، لا، الأمر يحتاج توضيح الحق، إرشاد الناس، أما نحن نهتم بالتكفير فقط، لا، يجب أن نهتم بالنصيحة والدعوة الصادقة، وتبيين الحق، ومناقشة المخالف وإقناعه، هذه هي الوسائل.

هل هذه المسائل هي أمور أساسية ضرورية، أم أمور لا بد من التأمل، لا نجعل التكفير دائما نصب أعيننا، الإمام أحمد – رحمه الله – وقد عايش فتنًا عظيمة، تكتل مجوسي يهودي على الإسلام وأهله بالقول بخلق القرآن، وعانى وضرب وسجن، وعُومل بكل قسوة، ومع ما مر به من هذه البلايا منع الناس من الخروج على الأئمة، حذر العلماء والعامة، ولم ينسب للإمام أحمد كلمة تدعو إلى فتنة منذ أصيب وابتلي إلى أن توفي، بل كان أحيانا يختفي عن الناس إذا رأى العامة والفوضى ومن لا علم عنده يوقعون الناس، لأنه كان على بصيرة من أمره، هذا العلم والمعرفة، أما مجرد فلان كافر، لا، هذه لا يطلقها إلا بعد أن تستوفي الشروط، واحمد الله على العافية.

سماحة الشيخ، يقول السائل: كيف يتقي المرء الشبهات ؟ خاصة وأن الذين يكفرون يأتون عنده فيذكرون مذهبهم، حتى يظن الظان أنهم على صواب، فكيف نحذر من ذلك ؟

يجب علينا أن نحذر من هؤلاء، كل من جاءنا يدعونا إلى التكفير والتبديع والخروج والطعن في الأئمة، لا ينبغي أن نصغي السمع إليهم، ينبغي أن يكون عندنا ثبات، كثير من هؤلاء يتلبسون بنا، وهم يخدمون أهداف أعداء الإسلام، لا نغتر بهم، هؤلاء غرروا شبابنا، ولعبوا بعقولهم حتى قتلوا هنا وهناك، وزينوا لهم الباطل وقالوا: الجنة مفاتيحها هناك، ذهبوا مساكين ورجعوا مقتولين مسلوبين، وآبائهم في حسرة منهم.

إن هؤلاء يلعبون بعقول الناس، يجب أن نحذر، ولا نغتر، ولا ننقاد لكل من يدعونا إلى ما يدعو، انظر هذا الإنسان واتجاهه، وإذا رأيته قل له: ابدأ بنفسك حتى نرى أنك صادق، هو في نفسه لن يفعل شيئًا، لكنه يجر غيره ويقودهم إلى أن يُقْتَلُوا ويفارقوا أولادهم وآبائهم وأمهاتهم في سبيل الشيطان، لأن هؤلاء زينوا لهم الباطل وحَسَّنُوا لهم الشر، وأوقعوهم فيما أوقعوهم فيه، نسأل الله لنا ولكم وللمسلمين السلامة والعافية.

سماحة الشيخ يقول السائل: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر وهو جاهل، فما يترتب على ذلك ؟ وجزاكم الله خيرًا.

إن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» (27) أي رجع عليه، لا تقل كافر، لا تخاطر بذلك حتى لو كان كافرًا لا تقول كافر، تقول: يا إنسان تعال أدعوك، الله تعالى قال:{قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ} [آل عمران:64] {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران:99] {يا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران:65 ]، لم يقل: يا أيها الكفار، بل قال: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ}.

الدعوة إلى الله تقول: تعال أعلمك اسمع الحق، اقبل الحق، قل يا أهل الكتاب، انظر هذه وصفهم بأوصافهم لأنه في قضية دعوة ما قضية تنفير الناس.

سماحة الشيخ، يقول السائل: من أعظم الشبه التي يحصل بها التكفير والخروج من الشباب أنهم لديهم شبهة إعانة الكفار على المسلمين، أو موالاة الكفار المحاربين للمسلمين، نرجو الرد على هذه الشبه، وجزاكم الله خيرًا.

ما أدري الإعانة، هل المسلمون أعانوا كافرًا على مسلم، هذا لا يقع إن شاء الله، المسلمون يعين بعضهم بعضا، ويؤيد بعضهم بعضا، والأمور التي تقع بعض الناس يحكم بها بجهل منه، ما أظن هذا واقع والولاء والبراء له شروطه، والأحكام لها أحوالها، والله – جل وعلا – أرشد المسلمين للتعاون فيما بينهم، وأرشدهم للتعاون حتى مع اعدائهم، فالقضية يا إخواني قضية تحتاج إلى تأمل، الله يقول: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: الآيتان 8-9]

فالمسألة تحتاج إلى تأمل لا ينبغي للإنسان أن يأخذ طرف شيء فيبني عليه بنيانا من غير أن يكون عنده تصور للحق.

وصلي الله، وسلم على محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليما كثيرًا.

*******************************************************************************

( 1) أخرجه البخاري (5/2263، رقم 5752)، ومسلم (1/79، رقم 60).

( 2) أخرجه البخاري (2/96، رقم 1363)، ومسلم (1/104، رقم 110).

( 3) سبق تخريجه في الذي قبله.

( 4) أخرجه البخاري (5/2247، رقم 5700).

( 5) مجموع الفتاوى (4/468).

( 6) السيل الجرار (4/578).

( 7) العواصم من القواسم (4/178).

( 8) أخرجه أحمد (2/323، رقم 8275)، وأبو داود (4/275، رقم 4901).

( 9) أخرجه مسلم (4/2023، رقم 2621).

( 10) شرح مسلم للنووي (12/229).

( 11) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/197، رقم 321).

( 12) مجموع الفتاوى (28/128).

( 13) منهاج السنة النبوية (3/391).

( 14) السيل الجرار (1/940).

( 15) السنة للخلال (1/132، رقم 89).

( 16) أخرجه البخاري (9/79، رقم 7212).

( 17) شرح ابن بطال (8/279).

( 18) أخرجه أحمد (1/310، رقم 2826)، والبخاري (6/2588، رقم 6646)، ومسلم (3/1477، رقم 1849).

( 19) أخرجه مسلم (3/1482، رقم 1855).

( 20) أخرجه البخاري (9/47، 7055)، ومسلم (2/1470، رقم 1709).

( 21) شرح البخاري لابن بطال (10/9).

( 22) أخرجه مسلم (3/1480، رقم 1854).

( 23) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/164، رقم 2656)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/309، رقم 16740).

( 24) أخرجه مسلم (4/2004، رقم 2594).

( 25) أخرجه البخاري (6/2657، رقم 6855)، ومسلم (1/51، رقم 20).

( 26) أخرجه البخاري (3/1321، رقم 3414)، ومسلم (2/744، رقم 1064).

( 27) أخرجه البخاري (3/1292، رقم 3317)، ومسلم (1/79، رقم 61).

————————————————————-

المحاضر:فضيلة الشيخ الدكتور :عبدالله بن محمد المطلق

رابط الموضوع : http://www.assakina.com/mohadrat/22896.html#ixzz3Qg7Jhlit

الرابط المختصر : http://ssa.gov.sa/11959

نبذة عن الكاتب

صورة الحساب الشخصي لـ معالي الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد المطلق

اترك تعليقك