أثر سلامة المعتقد على حياة الفرد وأمن المجتمع

0

المقدمة

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، كما يليق بجلال الله ، وعظيم سلطانه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي اصطفاه ، فأنزل عليه القرآن ، وأمره بتبليغه للناس وبيانه ، وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين ، أما بعد :

فمما لا ريب فيه أن كل مسلم في حاجة شديدة للتذكير بحق الله ، وحق عباده ، والترغيب في أداء ذلك ، وفي حاجة شديدة أيضا إلى التواصي بالحق ، والصبر عليه ، وتحمل الأذى الحاصل من جراء التمسك به ، وقد أخبر الله – سبحانه وتعالى – في كتابه المبين عن صفة الناجين وأعمالهم الحميدة ، وعن صفة الخاسرين وأعمالهم الذميمة ، وذلك في آيات كثيرة في كتاب الله – تعالى – وفي سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأجمع على ذلك العلماء ، فمن ذلك ما ذكر الله – سبحانه – في سورة العصر ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [سورة وَالعصر : الآية 1-3] ، فبين الله – جل وعلا – في هذه السورة العظيمة أسباب الفوز والربح ، وأنها تنحصر في أربع صفات :

أسباب الفوز والربح

أولها : الإيمان بالله وبرسوله – صلى الله عليه وسلم – وجميع ما يجب الإيمان به .

ثانيها : العمل الصالح .

ثالثها : التواصي بالحق .

رابعها : التواصي بالصبر على الحق .

فمن كمل هذه المقامات ، فقد فاز بأعظم الربح ، من الكرامة ، والفوز بالنعم في يوم القيامة ، ومن حاد عن هذه الصفات ، ولم يتخلق بها باء بأعظم الخسران ، وما يتبع ذلك من المصير إلى الجحيم ، إلى دار الذل والهوان ، يقول ربي وربكم ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة النحل : الآية 97] .

وهذا وعد كريم من الرب الرحيم ، بأن من آمن به وبرسوله حقا ، وعمل بموجب هذا الإيمان من الأعمال الصالحة ، فقد تكفل الله له بأن تطيب له الحياة الدنيا ، وأن تطيب له كذلك الآخرة ، سواء كان ذكرا أو أنثى .

والحياة الطيبة في الدنيا ليس من شرطها الثراء ، ورغَد العيش ، ولكن قد تكون به ، وقد تكون بدونه ، فمِن أعظم أنواع الطَّيِّبات في الحياة الدنيا التعلقُ بالله – جل وعلا – والتوكل عليه ، والطمأنينة بذكره ، والأنس بمناجاته ، وراحة القلب من الحيرة والتشتت .

ومن طيب الحياة أيضا الصحة والعافية والقناعة ، ومحبة الخير ، ومحبة أهله .

إذن من شرط الربح والسعادة الحقيقيين والنجاة والوصول إلى الحياة الطيبة الإيمان ، وهذا هو العنصر الأول من أركان العناصر التي سأتحدث عنها .

الإيمان قول وعمل

والإيمان – كما هو في عقيدة أهل السنة والجماعة – قول وعمل واعتقاد ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالعصيان ، وهذه الجوانب الثلاثة تشمل الدين كله ، وهذا ما دل عليه الحديث المشهور المخرج في الصحيحين وغيرهما ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « الإيمان بِضع وسبعون – أو بضع وستون – شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » ( 1) .

وهذا الحديث الصحيح واضح الدلالة على أن الإيمان درجات وخصال وأعمال ، لكن يجمعها أنها كلها من الإيمان ، وإخراج هذه الأعمال من اسم الإيمان خطأ ، ومخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة .

شعب الإيمان

وأعلى هذه الشعب وأساسها شهادة ألا إله إلا الله ، فلا إله إلا الله ، هي أعظم كلمة ، وأفضل كلمة ، وهي مفتاح العقيدة ، ومفتاح الجنة ، ومعناها : لا معبود بِحَقٍّ إلا الله ، فلا أحد يستحق العبادة والتذلل والخضوع إلا الله ، وما عداه من الآلهة المزعومة كله باطل ، قال – تعالى – ﴿ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ ﴾ [سورة يوسف : الآية 39] .

فتوحيد الله الذي دلت عليه هذه الكلمة هو أساس الدين ، وأول واجب على المكلف ، وعليه مدار دعوة الرسل ، من أولهم إلى آخرهم ، قال – تعالى – ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [سورة النحل : الآية 36] .

فمن حقق هذا التوحيد فقد بنى حياته وأعماله على أساس صالح ، واستثمر حياته وأعماله استثمارا طيبا ، ومن لم يحقق هذا التوحيد فقد وقع في الشرك ، وبنى حياته وأعماله على أساس فاسد ، وكانت ثمرته وعاقبته وخيمة – نسأل الله العافية – .

وهذا التوحيد هو الذي تصلح به الحياة ، وتزكو به الأعمال ، يشمل توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وهذه الثلاثة متداخلة ، وبعضها متضمن لبعض ، ونصوص الكتاب والسنة الدالة عليها لا حصر لها ، فالإيمان بالله معناه الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ، وأنه المستحق وحده للعبادة ، وأنه المتصف بصفات الكمال ، المنزه عن كل عيب ونقص ، وهذا التوحيد إذا حققه الإنسان ، وحققته الجماعة ، حصل لهم من الآثار ، والثمرات العظيمة في حياتهم ما لا يمكن حصره .

آثار التوحيد

ومن هذه الآثار :

التعلق بالله وحده رجاء وخوفا ورغبة ورهبة :

أولا التعلق بالله وحده رجاء وخوفا ورغبة ورهبة وتوكلا واستعانة ، فبهذا تحصل قوة القلب وشجاعته ، وعدم الرهبة من المخلوقين ، والتعلق بهم ، والعمل الجاد في الحياة ، ثِقةً بالله ، وتعرُّضا لتوفيقه وتسديده ، وهذا التعلق بالله يورث الإخلاص في الأعمال كلها لله وحده ، وعدم النظر إلى المخلوقين ، فيكون الموحد في جميع أعماله ، لا يبتغي إلا وجه الله وثوابه ، لا يهمه نظر المخلوقين ، ولا مدحهم وذمهم ، أو إعطاؤهم ومنعهم ، فأمره كله لله .

حصول الطمأنينة والراحة ، وانشراح الصدر :

ثانيا : حصول الطمأنينة والراحة ، وانشراح الصدر ، والاستقرار النفسي للإنسان ، فمن يعبد ربا واحدا يعرف مُراده ، فما يرضيه يفعله ، وما يُسخطه يتجنبه ، لا يتساوى مع من يعبد آلهة متعددة ، قال الله – تعالى – ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الزمر : الآية 29] .

وقد شرح الإمام ابن القيم – رحمه الله – هذه الآية ( 2) ، فقال : هذا مثل ضربه الله – سبحانه – للمشرك والموحد ، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون ، والرجل المتشاكس : الضيق الخلق ، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شُبّه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته ، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين ، والموحد لما كان يعبد الله وحده ، فمثله كمثل عبد لرجل واحد ، قد سلم له ، وعلم مقاصده ، وعرف الطريق إلى رضاه ، فهو في راحة من تَشاحُن الخُلطاء فيه ، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه ، مع رأفة مالكه به ، ورحمته له ، وشفقته عليه ، وإحسانه إليه ، وتوليه لمصالحه ، فهل يستوي هذان العبدان ؟

وهذا من أبلغ الأمثال ، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ، والتفاته إليه ، وقيامه بمصالحه ما يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة النحل : الآية 75] . انتهى كلامه .

التعظيم والخضوع والخوف والحياء منه – سبحانه – :

ثالثا : من عرف الله حقا ، بأسمائه وصفاته ، ووحده في عبادته أَوْرث ذلك عنده من التعظيم والخضوع والخوف والحياء منه – سبحانه – ما يدفعه إلى فعل ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، والبعد عن مَسَاخِطِه ومعاصيه ، ومحاسبة النفس على تقصيرها في جنب الله ، ودوام المراقبة له – سبحانه – قال – تعالى – ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الزمر : الآية 9] ، وقال ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [سورة فاطر : الآية 28] ، وقال ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [سورة نوح : الآية 13] .

وكلما قوي إيمان العبد وتوحيده ، كلما قل ارتكابه للمحرمات ، وقل وقوعه في المعاصي ، وإذا قلّت معاصي العبد ، قلّت معاصي المجتمع ، فانتشر الخير ، وعمت البركات ، ولهذا جاء نفي الإيمان الواجب عمن وقع في كبائر الزنا ، وشرب الخمر ، أو السرقة ، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نُهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن » ( 3) .

كمال العقل ، وصحة الرأي ، وسداد النظر ، وقوة الفراسة :

رابعا : ومن آثار صحة الإيمان ، وتحقيق التوحيد ، كمال العقل ، وصحة الرأي ، وسداد النظر ، وقوة الفراسة ، وحدّة البصر ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ( 4) : من المعلوم أن أهل الحديث يُشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم ، فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى ، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ، ونحو ذلك ، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها ، فهم أكمل الناس عقلا ، وأعدلهم قياسا ، وأصوبهم رأيا ، وأسدُّهم كلاما ، وأصحهم نظرا ، وأهداهم استدلالا ، وأقومهم جدلا ، وأتمهم فراسة ، وأصدقهم إلهاما ، وأحدهم بصرا ومكاشفة ، وأصوبهم سمعا ومخاطبة ، وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا ، وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل ، فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحَدّ وأسد عقلا ، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال ، وكذلك أهل السنة والحديث ، تجدهم كذلك متمتعين ، وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يُقوي الإدراك ويصححه ، قال – تعالى – ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [سورة محمد : الآية 17] وقال ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ [سورة النساء : الآية 66-68] .

حصول الأمن الأمان :

خامسا : ومن آثار الإيمان والتوحيد حصول الأمن الأمان ، وعصمة الدماء والأموال والأعراض ، فمن يؤمن بلا إله إلا الله ، ويحقق لوازمها ومقتضياتها ، فإنه يأمن على نفسه ، ويأمنه غيره ، ممن يعيش في المجتمع ، لأنه يعرف ما يحل له فيأخذه ، ويعرف ما يحرم عليه فيتركه ، فينكفّ عن الاعتداء والظلم والعدوان ، وهضم حقوق الآخرين ، تفاعلا مع عقيدته التي تملي عليه ذلك ، فتحل في المجتمع المحبة ، والموالاة في الله ، والتعاون على الخير والرحمة والمودة ، ونصرة المظلوم ، ونصرة المظلوم ، وكف الظالم .

ولنعتبر بحال العرب قبل الإسلام ، فإنهم كانوا أعداء متناحرين ، يفتخرون بالقتل والسلب والنهب ، فلما دانوا بالتوحيد ، وتحقق الإيمان في قلوبهم وجوارحهم ، أصبحوا إخوة متحابين آمنين مطمئنين ، قال الله – تعالى – ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [سورة آل عمران : الآية 103] .

وقال – صلى الله عليه وسلم – : « من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه ، وحسابه على الله » ( 5) .

اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة :

سادسا : ومن آثار عقيدة التوحيد والإيمان ، اجتماع القلوب على الحق ، ووحدة الكلمة ، وبذلك تحصل القوة للمسلمين ، والانتصار على أعدائهم ، وحصول السيادة ، والاستخلاف في الأرض ، والثبات أمام الأعداء ، وأمام التيارات والأفكار الباطلة ، والأديان الفاسدة ، قال الله – تعالى – ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [سورة آل عمران : الآية 103] ، فالاختلاف في العقيدة يسبب التفرق والنزاع والتناحر ، قال الله – عز وجل – ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 159] .

ولننظر إلى حال الصدر الأول من هذه الأمة ، وكيف تآلفوا بهذا التوحيد ، وبهذه العقيدة ، وفتحوا العالم في مدة قليلة ، وسادوا على الناس بهذا الإسلام قبل الفرقة والانقسام الحاصل .

هذه بعض آثار توحيد الله والإيمان به ، وهذا كله من آثار كلمة “لا إله إلا الله” التي إذا اعتقدها المسلم ، وعمل بمقتضاها ، تحقق في المجتمع هذه الثمار الطيبة ، والآثار العظيمة .

الإيمان بالرسل والأنبياء

فهذه هي الشعبة الأولى من شعب الإيمان ، وعليها تنبني كل شعب الإيمان المذكورة في الحديث ، ومن هذه الشعب : الإيمان بالرسل والأنبياء ، من لدن آدم – عليه السلام – إلى آخرهم ، وهو نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – قال – تعالى – ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ [سورة البقرة : الآية 285] .

وقال نبيكم – صلى الله عليه وسلم – في حديث جبريل المشهور ، عندما سأله عن الإيمان : « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره » (6 ) .

وقال – جل وعلا – في بيان كفر من لم يؤمن بجميع الرسل ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقاًّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [سورة النساء : الآية 151] ، والإيمان بهم يتضمن التصديق بهم إجمالا ، والتصديق برسالاتهم ، وأنها حق من عند الله ، كما يتضمن التصديق بما جاء مفصلا في كتابنا الكريم ، ومن الإيمان بهم العمل بشريعة من أرسل إلينا ، وهو محمد – صلى الله عليه وسلم – المرسل إلى جميع الناس إلى يوم القيامة ، وهو خاتم الرسل والنبيين ، وواجب علينا تصديقه فيما أخبر من الأمور الماضية والمستقبلة ، كما يجب علينا طاعته فيما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، يقول ربكم ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [سورة النساء : الآية 59] ويقول ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [سورة النساء : الآية 80] ، وقال – عليه الصلاة والسلام – في الحديث المخرج في صحيح البخاري : « كل أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى » . قالوا : ومن يأبى ؟ قال : « مَن أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى » ( 7) .

ومن الإيمان به محبته ، وتقديمها على محبة الولد والوالد والناس أجمعين ، كما قال – – عليه الصلاة والسلام – – : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » ( 8) . متفق عليه .

ومن الإيمان بالرسول – صلى الله عليه وسلم – العمل بشريعته ، وتحكيمها في جميع الأمور ، دقيقها وجليلها ، قال الله – تعالى – ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [سورة النساء : الآية 65] ، وما ذكر آنفا هو معنى شهادة أن محمدا رسول الله ، التي هي الشق الثاني من الشهادة ، فلا تقبل شهادة “ألا إله إلا الله” إلا معها شهادة “أن محمدا رسول الله” .

ثمرة الإيمان بالرسل

والإيمان بالرسل عموما ، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – خصوصا يورث محبتهم وتعظيمهم ، والثناء عليهم بما يليق بهم ، من غير غُلُوّ ، ولا جفاء ، لأن الواسطة بين الله وبين خلقه بلغوا للناس رسالة الله ، وأوامره ونواهيه ، ونصحوا للخلق ، وبينوا لهم كيف يعبدون الله ، ويصلون إلى ما يرضيه ، وهذا من رحمة الله بعباده ، وعنايته بهم ، فلولا رسالة الرسل لكان الناس في ظلمات الجهل يعمهون ، لأن العقول البشرية لا تستقل بمعرفة تفاصيل ما يجب ما يجب لله ، وما يستحقه من صفات الكمال ، وما يُقَرّب إلى مرضاته ، ويباعد من سَخَطِه وعقوباته – وإن ظن بعض الناس غير ذلك – .

والإيمان بالرسول – صلى الله عليه وسلم – يستوجب شكر الله – تعالى – على هذه النعمة ، والتمسك بهديه ، وتقديم قوله على قول كل أحد ، لأن الهدى كله ، والصراط المستقيم هو ما جاء به – عليه الصلاة والسلام – قال الله – تعالى – ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 164] .

متى ما جرد الفرد المسلم اتباعه للرسول – صلى الله عليه وسلم – وكذلك المجتمع المسلم ، فقد رشد واهتدى ، وصار له نور يمشي به في هذه الحياة ، وانحلت المشكلات ، وانكشفت المعضلات ، وخرج المجتمع من الظلمات إلى النور ، وانظروا في سيرة نبيكم – صلى الله عليه وسلم – وفي سيرة الخلفاء الراشدين من بعده ، فسوف تجدون ذلك واضحا جليا .

ومن تحقيق شهادة “أن محمدا رسول الله” إظهار إجلاله وتوقيره وتعظيمه ، وحماية جانبه الكريم من التنقص ، ومن الطعن ، ومن الشتم ، وبذلك تحصل العزة والكرامة والنصر والتأييد للأمة ، أفرادا ومجتمعا .

ومن أظهر في المجتمع شيئا مما يحُطّ من قدْره ، أو يطعن في شخصه ، أو رسالته ، أو يعترض على حكم من أحكامه ، أو حديث من أحاديثه الثابتة ، فقد خسر خسرانا مبينا ، إذا ظهر شتم النبي – صلى الله عليه وسلم – في المجتمع ، ولم يؤخذ على أيدي هؤلاء السفهاء المستهزئين الساخرين بالرسول ، أو سنته وشرعه ، كانوا أهلا لأن ينتقم الله – تعالى – لنبيه منهم ، ويذيقهم من العقوبات ، ويذهب عنهم الأمن ، ويسلط عليهم أنواعا من البلاء والأذى ، نسأل الله العفو والعافية .

الإيمان بالملائكة

ومن أصول العقيدة ، وشعب الإيمان ، الإيمان بالملائكة الكرام – عليهم الصلاة والسلام – والإيمان بهم يعني التصديق بوجودهم وصفاتهم وأعمالهم ، قال – تعالى – ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [سورة فاطر : الآية 1] ، وقال ﴿ وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾ [سورة الأنبياء : الآية 19-20] .

والملائكة لا يحصي عددهم إلا الله – عز وجل – فقد ثبت في الصحيحين ، في قصة المعراج أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رُفع له البيت المعمور ، فسأل جبريل – عليه السلام – فقال : هذا البيت المعمور ، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم ( 9) .

أعمال الملائكة

ومن أعمال الملائكة قبض الأرواح ، قال الله – تعالى – ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ ﴾ [سورة السجدة : الآية 11] ، ومنهم الموكلون بالأجنة في بطون النساء ، كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – قال حدثنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق : « أَنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : بِكَتْبِ رِزْقِهِ ، وَأَجَلِهِ ، وَعَمَلِهِ ، وَشَقِيٌّ ، أَوْ سَعِيدٌ ، فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى مَا يَكُونَُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، حَتَّى مَا يَكُونَُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيَدْخُلُهَا » ( 10) .

ومنهم الموكلون بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها ، فلكل شخص ملكان : أحدهما عن اليمين ، والثاني عن الشمال ، قال الله – تعالى – ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [سورة الانفطار : الآية 10-12] .

ومنهم من يشهدون صلاة الفجر ، وصلاة العصر مع المصلين ، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر ، وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون » ( 11) .

ومنهم الموكلون بحفظ الإنسان من الأخطار والمهالك ، قال الله – تعالى – ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [سورة الرعد : الآية 11] قال ابن كثير – رحمه الله -( 12) : أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، حَرَس بالليل وحَرَس بالنهار ، يحفظونه من الأسواء والحادثات ، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر ، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، فاثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال ، صاحب اليمين يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات ، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه ، واحدا من ورائه ، وآخر من قُدامه ، فهو بين أربعة أملاك بالنهار ، وأربعة آخرين بالليل .

وللملائكة أعمال أخرى لا يُحصيها إلا من خلقهم ، والإيمان بالملائكة ، والاعتقاد الصحيح فيهم يورث ثمرات جليلة ، منها :

ثمرات الإيمان بالملائكة

العلم بعظمة الله :

أولا : العلم بعظمة الله – عز وجل – وقوته وقدرته وسلطانه ، فإن عِظَم خلق الملائكة ، وما أوتوا من القدرات ، يدل على عظمة خالقهم ومدبرهم – جل وعلا – .

شكر الله – تعالى – على عنايته ببني آدم :

ثانيا : شكر الله – تعالى – على عنايته ببني آدم ، حيث وكل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وإعانتهم على أمور الخير ، والقتال معهم في سبيل الله ضد المشركين ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [سورة الفتح : الآية 4] .

محبتهم وموالاتهم :

ثالثا : محبتهم وموالاتهم ، لأنهم عباد الله طائعون له ، لا يأمرون إلا بالخير ، ويستغفرون للمؤمنين ، ويدعون لهم ، واقرءوا – إن شئتم – قول الله – عز وجل – ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ ﴾ [سورة غافر : الآية 7] .

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ، ما لم يُحْدث : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه » ( 13) .

فمن الإيمان بهم محبتهم وموالاتهم ، لأن الله يحبهم ، ومن عادى الملائكة وأبغضهم ، فإنه عدو لله ، ومن عاداه الله أهلكه في الدنيا والآخرة ، قال الله – عز وجل – ﴿ مَن كَانَ عَدُواًّ لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ [سورة البقرة : الآية 98] .

التشبه بهم في أعمالهم الصالحة :

رابعا : التشبه بهم في أعمالهم الصالحة ، بقدر الاستطاعة ، كعبادة الله ، والتذلل له ، والخضوع والطاعة ، وترك معصيته ، يقول الله – عز وجل – ﴿ وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ [سورة الزمر : الآية 75] .

وعن حَكيم بن حِزام – رضي الله عنه – قال بينما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أصحابه قال لهم : « هل تسمعون ما أسمع ؟ إني لأسمع أطيط ( 14) السماء – ولا تلام أن تئط – ما فيها موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم » ( 15) .

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا ، فإنه مَن وافق تأمينه تأمين الملائكة ، غُفر له ما تقدم من ذنبه » ( 16) .

وعن جابر بن سمرة – رضي الله عنه – قال خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : « ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها » . فقلنا : يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟قال : « يُتِمّون الصفوف الأُوَل ، ويتراصون في الصف » ( 17) .

الاستحياء من الملائكة :

خامسا : والإيمان بالملائكة يجعل الإنسان المسلم يستحي منهم أن يَرَوْه على حال شائن ، أو واقعا في معصية ، لأنهم معه أينما ذهب ، أو راح ، فلنحذر أن يكتبوا علينا شيئا لا يليق ، ويجب علينا أن نتباعد عن المعاصي ، وعن كل ما لا يرضي الله – عز وجل – قال – تعالى – ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [سورة الانفطار : الآية 10-12] ، فإذا استشعر كل فرد مسلم هذه المعاني في إيمانه بالملائكة ، وعمل بمقتضاها ، فإن المجتمع المسلم سيكون عامرا بالطاعات والخيرات ، خاليا من المعاصي والمنكرات ، إلا ما شاء الله .

الإيمان بالكتب السماوية

ومن شعب الإيمان وأصول العقيدة ، الإيمان بالكتب السماوية ، أي التصديق الجازم بالكتب التي أنزلها الله على رُسُله رحمة بالخلق ، وهداية لهم ، قال الله – تعالى – ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [سورة البقرة : الآية 285] ، وهذه الكتب منها ما علمنا اسمه ، كالقرآن والتوراة والإنجيل ، ومنها ما لا نعلمه ، ويجب الإيمان بأن نزولها حق من عند الله ، وأن أعظمها وأفضلها والمهيمن عليها ، والناسخ لجميعها هو هذا القرآن العظيم ، الذي أنزله الله على نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور ، قال – تعالى – ﴿ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ [سورة إبراهيم : الآية 1] .

وحقيقة الإيمان بهذا القرآن أنه كلام الله المحفوظ من الزيادة والنقصان ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، أنزله الله للعمل به ، ليصل البشر إلى سعادة الدنيا والآخرة ، قال – تعالى – ﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [سورة فصلت : الآية 2] ، وقال ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [سورة الحجر : الآية 9] .

وقد عرف سلف هذه الأمة ، من الصحابة والتابعين ، وممن بعدهم ممن سار على نهجهم قَدْر هذا الكتاب العظيم ، فراحوا يتلونه آناء الليل وآناء النهار ، ويتدارسونه بينهم ، فازدادوا علما وإيمانا ، وطبقوا أحكامه ، فسادوا به الدنيا ، وأخرجوا به الناس من ظلمات الجهل والشرك والظلم إلى نور العدل والإيمان والعلم .

وصحائف التاريخ التي يقرأها الناس ليل نهار تشهد بهذه الحقيقة الناصعة ، فعودوا إلى تاريخكم ، واستجلوا قصصه وعِبَره تفوزوا بإذن الله ، فكثير من المسلمين اليوم يُقْصرون أعمالهم على طباعة القرآن ، أو حِفظه فقط ، دون مدارسته وتدبره والعمل به .

فما أحوجنا اليوم إلى تصحيح معاملاتنا مع القرآن الكريم ، وذلك بالتفكر فيه ، وتعقله ، والاستجابة لأوامره ونواهيه ، وتطبيق أحكامه في جميع أمور حياتنا ، دقيقها وجليلها ، فإن السعادة والراحة والطمأنينة ، والأمن للفرد والمجتمع – في الدنيا والآخرة – مرهونة بالتمسك بهذا القرآن والعمل به ، وإن الشقاء والخوف والقلق للفرد والمجتمع – في الدنيا والآخرة – مربوط بالبعد عن هذا القرآن الكريم وهَجْره ، والإعراض عن تدبره والعمل به ، واسمعوا قول ربكم ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى* وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [سورة طه : الآية 124-127] .

الإيمان باليوم الآخر

ومن شعب الإيمان ، وأصول العقيدة ، الإيمان باليوم الآخر ، وحقيقته التصديق الجازم بيوم القيامة ، وما فيه من الأهوال ، وبعث الناس من قبورهم ، وحسابهم على أعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير ، أو شر ، فإما إلى الجنة ، وإما إلى النار ، ودلائل إثبات هذا اليوم كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع العلماء ، ولله الحمد والمنة ، ومن ذلك قول الله – عز وجل – ﴿ لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [سورة البقرة : الآية 177] ، قوله ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا ﴾ [سورة النساء : الآية 136] .

ويدخل فيه ما يكون بعد الموت من نعيم القبر وعذابه ، وسؤال مُنكر ونَكير ، والبعث بعد الموت ، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين ، حفاة عراة غُرْلا (18 ) ، وتنصب الموازين ، فتوزن بها أعمال العباد ، وتُنشر الصحف ، ويمر الناس على الصراط المنصوب على متن جهنم ، ثم يكون الناس فريقين : فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، إلى آخر ما جاء في الكتاب والسنة من تفاصيل ذلك اليوم العظيم ، وما أعده الله للمؤمنين من نعيم الجنة ، نسأل الله أن نكون منهم ، وما أعد للكافرين من العذاب في النار ، نسأل الله العفو والعافية .

ثمرات الإيمان باليوم الآخر

الاستعداد الدائم ليوم القيامة بالأعمال الصالحة :

ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر ، واعتقاد وقوعه ، وما فيه من الأهوال العظام ، يدفع إلى الاستعداد الدائم لهذا اليوم بالأعمال الصالحة ، والبعد عن المعاصي والكبائر ، ويورث الرغبة في فعل الطاعات ، والصبر عليها ، لينال أجرها وثوابها في ذلك اليوم الذي يفر المرء فيه من أخيه ، وأمه وأبيه ، وزوجته وبنيه ، كل فرد لا يفكر إلا في نجاة نفسه ، لهول هذا اليوم .

يورث رغبة في البعد عن معصية الله ورسوله :

كما أن الإيمان بهذا اليوم يورث رغبة في البعد عن معصية الله ورسوله ، خوفا من عقاب الجبار في ذلك اليوم .

تسلية للمؤمنين عما يفوتهم من الدنيا :

كما أن الإيمان بذلك اليوم فيه تسلية للمؤمنين عما يفوتهم من الدنيا ، من مال ، أو صحة ، أو ولد ، لما يرجو أن ينال ما هو أفضل منه في الآخرة .

عزاء لكل مظلوم في هذه الدنيا :

وفيه أيضا عزاء لكل مظلوم في هذه الدنيا ، سواء ظلم في عرض ، أو بدن ، أو مال ، أو غير ذلك ، بأنه سيقف هو ومن ظلمه بين يدي أحكم الحاكمين ، وسيقتص له ممن ظلمه في يوم هو أحوج ما يكون للحسنات .

زجر للإنسان عن التمادي في ظلم العباد :

وفي الإيمان باليوم الآخر زجر للإنسان عن التمادي في ظلم العباد ، وأكل حقوقهم بغير حق ، إذا أيقن أنه قادم على ذلك اليوم .

والحاصل أن التصديق بذلك اليوم له أثر كبير على حياة الفرد ، فإذا أيقن كل فرد بحقيقته ، فإن المجتمع – ولا شك – سيعيش في أمن وأمان ، ومراعاة للحقوق ، مع الحذر من ظلم الناس ، والبعد عن كل ما يهدد معيشتهم ، ولهذا تكرر التذكير به في أكثر من موطن في الكتاب والسنة .

الإيمان بالقدر

ومن شعب الإيمان ، وأصول العقيدة ، الإيمان بالقدر : خيره وشره ، والإيمان بالقدر معناه التصديق الجازم بأن الله – جل وعلا – عالم بكل شيء جملة وتفصيلا ، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله ، أو بأفعال مخلوقاته ، وأن الله دبر ذلك قبل وقوعه .

ومن الأدلة على إثبات القدر قوله – عز وجل – ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [سورة الحجج : الآية 70] ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [سورة القمر : الآية 49] .

ومن السنة ما ثبت في صحيح مسلم عن نبيكم – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال : وعرشه على الماء » ( 19) .

وثبت في الصحيحين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ، ومقعده من النار » . فقالوا : يا رسول الله أفلا نتّكل ؟ فقال  : « اعملوا فكل ميسر » . ثم قرأ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ [سورة الليل : الآية 5] » ( 20) .

والإيمان بالقدر على الوجه الصحيح السليم الذي جاء في القرآن والسنة ، وبينه علماء السنة والجماعة له آثار حميدة على الفرد والمجتمع ، منها :

آثار الإيمان بالقدر

الإقرار بكمال ربوبية الله :

أولا : الإقرار بكمال ربوبية الله – جل وعلا – وعلمه وإحاطته ، وقدرته على كل شيء ، لأن القدر داخل في الإيمان بالله ، ومن لم يؤمن بالقدر ، فقد وصف ربه – جل وعلا – بالعجز والجهل – تعالى – الله عن قول الظالمين علوًّا كبيرا .

تفويض الأمور كلها لله :

ثانيا : إذا علم المسلم بأن الله قدر كل شيء ، فإن ذلك الإيمان يجعله يُفَوّض أموره إليه – سبحانه – ويعتمد على الله في كل شيء ، بعد الأخذ بالأسباب المشروعة .

تهوين المصائب :

ثالثا : إيمان الإنسان بالقدر معين له على تهوين المصائب .

البعد عن الفخر والاغترار :

رابعا : ومن آثار الإيمان بالقدر ، البعد عن الفخر والاغترار ، ورؤية النفس عند فعل الخير ، والأعمال الصالحة ، لأن ذلك ليس بحول العبد ، ولا بقوته ، وإنما حصل للعبد بتقدير الله وعونه وتوفيقه ، فيورث العبد معرفة نعم الله – عز وجل – كما في قوله – تعالى – ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [سورة النحل : الآية 53] .

معرفة حكمة الله – سبحانه وتعالى – :

خامسا : ومن آثار الإيمان بالقدر معرفة حكمة الله – سبحانه وتعالى – لأن النظر في أحداث الكون وتغيراته وتقلباته إذا ربطها الإنسان بعلم الله وقدرته وإحاطته ، وأنه المدبر لها ، والمصرف لها ، فإن له من الحكم وأسرار الخلق ما لا يعلمه كثير من الجاهلين .

انفتاح باب التوبة :

سادسا : من آثار الإيمان بالقدر انفتاح باب التوبة ، وإصلاح ما فسد في الزمن الماضي .

هذه الشعب التي ذكرناها هي أيضا أركان الإيمان الستة ، وشعبُ الإيمان كثيرة ، ومراتبها متفاوتة ، كما هو نص الحديث الشريف الذي ذكرناه .

ومن أسباب حصول الأمن في المجتمع ، الاعتراف بنعم الله ، والتحدث بها ، وشكرها ، والاستعانة بها على طاعته ومرضاته .

تطبيق الحدود الشرعية

ومن شعب الإيمان التي يحصل بها للمجتمع الأمن والرخاء ، تطبيق الحدود الشرعية على من يستحقها ، فإن من الناس من لا يكفه الإيمان والتقوى ، فتنزع نفسه إلى فعل ما لا يجوز من اعتداء على الفرد ، أو الجماعة ، فشرع الله الحدود لردع تلك النفوس عن جرائمها ، وصار من الإيمان تنفيذها وتطبيقها في المجتمع ، فقد ثبت في الصحيحين من قصة المرأة المخزومية التي سرقت فشفع فيها أسامة بن زيد – رضي الله عنه – فكلم النبي – صلى الله عليه وسلم – في شأنها فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « أتشفع في حد من حدود الله » . ثم قام فاختطب ، ثم قال : « إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » ( 21) .

 تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :

فلا شك أن العقيدة السليمة الصافية الخالية من البدع والشركيات ، لها آثار عظيمة في سلوك الإنسان وأقواله وأفعاله ، فالموحد المخلص لله ، المؤمن به حق الإيمان ، هذا الإيمان يظهر على جميع الأحوال ، والنقص إنما يأتي من نقص العقيدة ، فعندما تكون العقيدة متكدرة ، غير صافية ، فلا بد أن يكون هناك بلاء ، ولهذا كان التوحيد رأس الأعمال الصالحة ، والرسل جميعا قد افتتحوا دعوتهم بدعوة أممهم إلى إفراد الله بالعبادة ، قال – تعالى – ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [سورة النساء : الآية 36] ، وهكذا نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – ركز على العقيدة أيام بقائه في مكة ، اهتماما بها ، وتعظيما لشأنها ، لغرسها في النفوس ، لأن النفوس إذا قبلت العقيدة أمكن أن تقبل كل شيء ، لكن إذا انهدم هذا الأصل ، فكل شيء لن يكون له ميزان ، قال – تعالى – ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ [سورة الزمر : الآية 65] .

فكلما قويت العقيدة في القلب ، كلما عظُم العمل ، وكلما ضعُفت العقيدة في القلب ، كلما ضعف العمل ، فالأعمال الصالحة إنما تنتظم وتصلح وتستقيم عند صلاح العقيدة ، وإنما تقل المعاصي والمنكرات عندما تقوى العقيدة في القلب ، وعندما تضعف العقيدة ، فالضعف عام في الأعمال ، وفي ارتكاب ما حرم الله .

وفيما يتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر وأحكامه ، وعلم الله بالأشياء ، وكتابته لها ، ومشيئته لها ، وخلقه إياها ، كل هذه من أركان الإيمان ، فعندما ينظر المسلم لها نظرة ثاقبة بصيرة ، يجد أنها أصول عظيمة ، يجب المحافظة عليها ، والتذكير بها ، وإنما تصيب الغفلة القلوب عندما يُعرض الناس عن التذكير بهذه العقيدة .

العقيدة متى ما استقامت ، فأبشر بتوفيق من الله ، بصلاح واستقامة .

واعلم أن الخلل الواقع في سلوكنا وأعمالنا ، إنما هو نتيجة لاختلال العقيدة ، فالعقيدة أصل ، ولهذا فإن أهل التوحيد – حتى وإن قل علم أحدهم – فإن قوة التوحيد في القلب تكون سببا في توفيق العبد للعمل الصالح ، فيستنير قلبه ، ويعلم الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، فالعقيدة هي الأساس والأساس ، قال – تعالى – ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 82] .

يجب على المسلمين أن تكون هذه الأشياء نُصب أعينهم دائما ، فقد كان بعض السلف يقولون : اجلس بنا نؤمن ساعة . يعني نتحدث في الإيمان ، وأصل الإيمان ، كان السلف يهتمون بهذا الأمر ، لأن الغفلة عن هذا الأصل العظيم هي التي أوقعت الناس فيما نرى .

نسأل الله أن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة ، وصلى الله على محمد .

الأسئلة

السؤال الأول : يقول السائل : المسلم إذا كان يعتقد أن الله – تعالى – هو المستحق للعبادة ، ولكن يذهب إلى زيارة الأولياء ، هل يُعد بذلك موحدا ؟ وجزاك الله خيرا .

الجواب : زيارته الأولياء إذا كانت للسلام ، كأموات يسلم عليهم ، فهي مستحبة ، أما الزيارة التي يُقصد بها تحري الدعاء عند قبورهم ، وأن الدعاء عند هذه القبور أرجى للإجابة من دعاء الله في المساجد ، أو يتخذهم وسائط بينه وبين الله ، كأن يقول : أزور الولي لأقول له : اكشف ضري ، واشْفِ مرَضِي ، واقْضِ دَيني ، وفرّج همي ، وارفع لله حاجتي ، وما شابه ذلك ، فهذا هو الشرك الأكبر ، والذنب الذي لا يُغفر ، فالأولياء والصالحون نحبهم ، لكن العبادة حق لله وحده ، لا حق لمخلوق ، كائنا من كان فيها ، لا النبي ، ولا الولي ، ولا الملك ، ولا غير ذلك .

السؤال الثاني : هذا سائل عن طريق الإنترنت من الجزائر يقول : الغالب على زوار قبور الأولياء في العالم الإسلامي أنهم يزورونها لأجل البركة ، فيقول : زُر قبر الولي تَنَل من بركته ، زُر قبر الولي وادعُ الله تُجَبْ دعوتُك ، زر قبر الولي ، واسأله كذا يكشف ضرك .

الجواب : والعياذ بالله ، يرون أن من لم يَزُر قبر الولي ، فلا دين له ، ويذبحون عند قبره ، فيصرفون له خالص حق الله ، وهذا هو الشرك الأكبر ، والذنب الذي لا يغفر .

السؤال الثالث : يقول السائل : ما حكم من نوى ذبح بعير إذا تماثل للشفاء ، فقال : إن شُفيت – إن شاء الله – سأذبح بعيرا ؟ هل بالإمكان أن يوزع قيمته على المساكين ؟

الجواب : هذا نذر ، والأصل أن النذر لا يصلح ، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن النذر ، وقال : « إنه لا يَرُدّ شيئا ، وإنما يُسْتَخْرَج به من البخيل » (22 ) . فكأن الناذر يقول : لن أتصدق لله بصدقة إلا إن شفاني ، فكأنها مُعاوضة ، وهذا كله جهل ، فالنذر لا يغير من الواقع شيئا ، والقدر ماض ، نذرت ، أو لم تنذر ، لكن إذا تلبَّست بالنذر ، وجب عليك أن توفي به ، لقوله – صلى الله عليه وسلم – : « مَن نذَر أن يطيع الله فليُطعه » ( 23) . فاذبح هذا الجمل ، ووزعه على الفقراء والمساكين ، ولا تأكل أنت ، ولا أهل بيتك منه ، إلا إن كنت مشترطا .

السؤال الرابع : هذا سائل يقول : صفة الهرولة لله – تعالى – هل هي ثابتة ؟ وجزاكم الله خيرا . 

الجواب : جاء في الحديث : « يقول الله – تعالى – أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ، ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي شبرا ، تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا ، تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي ، أتيته هرولة » ( 24) . وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله – سبحانه وتعالى – التي يجب علينا الإيمان بها ، من غير تكييف ، ولا تمثيل ، لأنه أخبر بها عن نفسه ، وهو أعلم بنفسه ، فوجب علينا قبولها ، بدون تكييف ، لأن التكييف قول على الله بغير علم ، وهو حرام ، وبدون تمثيل ، لأن الله يقول ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [سورة الشورى : الآية 11] .

السؤال الخامس : يقول السائل : هناك أناس من المسلمين يعبدون القبور ، وهم لا يعلمون بحرمة ذلك ، فهل يعذرون بجهلهم ؟ 

الجواب : يقول الله – تبارك وتعالى – ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 19] فمن بلغه القرآن ، فقد قامت حجة الله عليه ، فالعابدون لغير الله نعاملهم في الدنيا بالظاهر ، ونقول : من عبد غير الله فهو كافر ، وإن ادعى الإسلام من عبد غير الله ، كأن يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو ينذر لغير الله ، أو يذبح لغير الله ، أو يطلب الشفاعة من الأولياء ، فهذا كله شرك أكبر ، وذنب لا يغفر ، لكن إن كان في مجتمع جاهلي ، غاب الحق عنه ، فهذا أمره إلى الله ، لكن في الدنيا نعاملهم بالظاهر ، وأمر الآخرة علمه عند الله – جل وعلا – والواجب على الجميع الدعوة لتوحيد الله ، ونصيحة هؤلاء ، وتخويفهم من الله ، وتذكيرهم بأنهم خلقوا ليعبدوا الله وحده ، لا ليعبدوا غيره .

**************************************************************************************************************************

( 1) أخرجه البخاري (1/12 ، رقم 9) ، ومسلم (1/63 ، رقم 35) .

( 2) إعلام الموقعين 1/221 .

( 3) أخرجه البخاري (6/2497 ، رقم 6425) ، ومسلم (1/77 ، رقم 57) .

( 4) مجموع الفتاوى 4/9-11 .

( 5) أخرجه أحمد (3/472 ، رقم 15915) ، ومسلم (1/53 ، رقم 23) .

( 6) ومسلم (1/36 ، رقم 8) .

( 7) أخرجه البخاري (6/2655 ، رقم 6851) .

( 8) أخرجه أحمد (3/177 ، رقم 12837) ، والبخاري (1/14 ، رقم 15) ، ومسلم (1/67 ، رقم 44) .

( 9) أخرجه أحمد (4/208 ، رقم 17869) ، والبخاري (3/1410 ، رقم 3674) ، ومسلم (1/149 ، رقم 164) .

( 10) أخرجه أحمد (1/382 ، رقم 3624) ، والبخاري (3/1174 ، رقم 3036) ، ومسلم (4/2036 ، رقم 2643) .

( 11) أخرجه البخاري (1/203 ، رقم 530) ، ومسلم (1/439 ، رقم 632) .

( 12) تفسير ابن كثير 4/437 .

( 13) أخرجه البخاري (1/76 ، رقم 174) ، ومسلم (1/460 ، رقم 649) .

( 14) الأطيطُ : صوت الأقتاب ، وأطيطُ الإبل : أصْوَاتُها وحَنِينُها . أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطّت . وهذا مَثَل وإيذان بكثرة الملائكة . النهاية : أطط .

( 15) أخرجه ابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير 2/397) ، وأبو الشيخ (3/986 ، رقم 509) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/422 ، رقم 597) ، والطبراني (3/201 ، رقم 3122) ، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (1/258 ، رقم 250) ، وأبو نعيم في الحلية (2/217) . وصححه الألباني في الصحيحة 852 .

( 16) أخرجه البخاري (1/270 رقم 747) ، ومسلم (1/307 ، رقم 410) .

( 17) أخرجه أحمد (5/101 ، رقم 21001) ، ومسلم (1/322 ، رقم 430) .

( 18) الغُرْل – بضم الغين المعجمة ، وإسكان الراء – معناه غير مختونين ، جمع أغرل ، وهو الذي لم يختن ، وبقيت معه غُرلته ، وهي قلفته ، وهى الجلدة التي تقطع في الختان . شرح النووي على مسلم 17/193 .

( 19) أخرجه مسلم (4/2044 ، رقم 2653) .

( 20) أخرجه أحمد (1/129 ، رقم 1067) ، والبخاري (1/458 ، رقم 1296) ، ومسلم (4/2039 ، رقم 2647) .

( 21) أخرجه البخاري (3/1282 ، رقم 3288) ، ومسلم (3/1315 ، رقم 1688) .

( 22) أخرجه البخاري (6/2463 ، رقم 6314) ، ومسلم (3/1261 ، رقم 1639) .

( 23) أخرجه أحمد (6/36 ، رقم 24121) ، والبخاري (6/2464 ، رقم 6322) .

( 24) أخرجه البخاري (6/2741 ، رقم 7098) ، ومسلم (4/2067 ، رقم 2675) .
نشرت بواسطة:مـوقـع السكينة 10 يوليو
رابط الموضوع : http://www.assakina.com/mohadrat/16524.html#ixzz3Mqjs0rKK

الرابط المختصر : http://ssa.gov.sa/25220

نبذة عن الكاتب

صورة الحساب الشخصي لـ معالي الشيخ الدكتور أحمد بن علي سير المباركي

اترك تعليقك